لم يكن الظاهر من مقدمات الوضع الفلسطيني الداخلي، ينبئ بتحول كبير كالذي جرى في قطاع غزة، يوم الاثنين الماضي، الثاني عشر من الشهر الجاري، بمناسبة مرور الذكرى الثالثة لرحيل الزعيم ياسر عرفات الذي ملأ الدنيا وشغل الناس قبل أن يوارى التراب في الحادي عشر من نوفمبر عام 2004.

أسباب وفاته كما أسباب بقائه على رأس الحركة الوطنية الفلسطينية لخمسة وثلاثين عاماً، ظلت لغزاً يحار بشأنه أقرب المقربين منه، ذلك أنه أفلت من محاولات إسرائيلية كثيرة استهدفته، إلى أن تمكنت منه، بعد حصار في غرفة بمقره في رام الله دام لأكثر من سنتين قبل أن ينتزع السم روحه وفق الرواية التي يرجحها معظم الفلسطينيين.

ذكرى رحيله العام الماضي، مرت بشكل اعتيادي إلى حد كبير، لكنها في هذا العام اتخذت طابعاً مختلفاً، لم تكن أسباب اختلافه في أن الفلسطينيين اكتشفوه من جديد أو أنهم افتقدوا قدرته على البقاء والإمساك بكل الخيوط، ومعالجة أهم التناقضات الفلسطينية الداخلية بدون أن تسيل دماً كالتي تسيل منذ رحيله على أيدي أبناء جلدته.

فلقد كانت ذكرى رحيله أكثر من التزام بالوفاء للذكرى، لتصبح مناسبة لإدانة من انقلبوا على ورثته وسبباً لا يثير الشبهة، أو الاعتراض حين تكون المناسبة فرصة لخوض اختبار تحدي شعبي في مواجهة الوضع الذي نشأ منذ الرابع عشر من يونيو الماضي في غزة وجعل قيادات من حركة حماس تعلن أن حركتهم ربحت معركة صناديق الاقتراع، وأيضاً معركة القوة المسلحة.

كانت غزة موقع الحدث والاختبار، ذلك أنها كانت الموقع الذي هزمت فيه السلطة ومؤسساتها وهزمت معها حركة فتح، لتتحول تحت سيطرة حركة حماس إلى ما يشبه الكانتون المعزول عن العالم كله بما في ذلك عن الوضع الفلسطيني بمختلف أبعاده ومسمياته، ولأن غزة أيضاً دفعت وتدفع ثمن الصراع مع الاحتلال وبين صفوف الشعب وتعاني من حصار رهيب أكثر من سواها من المناطق الفلسطينية المحتلة.

قبل يوم من إحياء الذكرى في غزة، جرى إحياؤها بشكل شعبي ورسمي في رام الله، وكان ثمة حضور رسمي وشعبي كبير، ذلك أن تحدي الصراع الداخلي موجود كل الوقت على كل الأرض الفلسطينية، غير أن ما جرى في غزة فاق كل التوقعات، وقدم جملة من الرسائل المهمة.

يمكن بدون مبالغة القول إن جماهير غزة قد خرجت عن بكرة أبيها إلى ساحة الاحتفال الذي تقرر أن يقع الساعة الواحدة ظهراً، فيما بدأت المسيرة من مختلف محافظات القطاع، تعم الشوارع ابتداءً من الثامنة صباحاً.

التقدير الموضوعي للحشد بعيداً عن الأغراض أو التوظيف الإعلامي، أن عدد الحضور يتراوح بين 250-300 ألف من أصل مليون وأربعمئة ألف هم من سكان القطاع، وهو حشد لم يشهد مثله قطاع غزة، حتى حين عادت القيادات الفلسطينية إلى أرضها من المنافي عام 1994، إثر توقيع اتفاقية أوسلو.

وفي كل مرة، يقوم منظمو الاحتفالات المشابهة، أو منظمي مسيرات التأييد والاحتجاج، بتوفير الحافلات للأنصار والراغبين في المشاركة، ثم تعود بهم إلى أماكن سكناهم بعد أن ينتهي النشاط المستهدف، أما في هذه المرة، فقد أم أغلب الناس مكان الاحتفال سيراً على أقدامهم في الذهاب والإياب، أو استخدموا ما تيسر لديهم من وسائل مواصلات خاصة.

الواقع أن الناس لم يذهبوا مرغمين ولا ليستمعوا إلى الكلمات التي جرى إعدادها مسبقاً، ولم يسمعها الكثيرون بسبب الازدحام والضجيج على الأغلب وهم المحبطون، لكي يعبروا عن وفائهم لذكرى الرئيس والزعيم الراحل. بل جاء معظمهم للتعبير عن رفضه واحتجاجه لكل ما تعاني منه الساحة الفلسطينية من مآسي وويلات، أفقدتهم الأمل في الاحتفاظ بشيء من كراماتهم ليس أكثر.

لقد مر الفلسطينيون على مدار تاريخهم الحديث بسلسلة طويلة من النكبات والكوارث والمجازر والمؤامرات والمعارك الصعبة، وقدموا الكثير الكثير من التضحيات، لكن ما يعانون منه في هذه الظروف شيء مختلف، خصوصاً ما يتصل منه بمسؤولية قياداتهم عن الانقلاب والانقسام والقتل والقمع والارتداد عن التجربة الديمقراطية وتبرير الحصار وإهدار الكرامات والتوهان السياسي، فضلاً عن تدهور مستويات المعيشة وحقوق الناس وأمنهم وأمانهم والتراجع الكبير في مستوى الخدمات التي يتلقونها وانكسار الأمل... وعملاً بالقول المأثور «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة».

الشعب الفلسطيني أصيب بخيبة أمل، نظراً لانغلاق الخيارات وانعدام فرص الحوار والتغيير، ولذلك لم يطل بهم الصبر، فخرجوا مستقوين بمهابة الذكرى الثالثة لاستشهاد زعيمهم ياسر عرفات لكي يعبروا عن رفضهم واحتجاجهم على ما جرى ويجري وعلى ما ينتظرهم في ظل المعطيات التي لم تعد خافية على أحد.

قبل يوم من الزحف الشعبي بمناسبة رحيل عرفات، كانت العقول تتوه وتتلعثم الألسن بشأن الخيارات الممكنة للخروج من النفق المظلم الذي دخله الفلسطينيون بأرجلهم، ولا يخدم ما فعلوه بأيديهم سوى الاحتلال الإسرائيلي الذي يستهدفهم جميعاً، غير أن الأمر اختلف بعد الاحتفال.

كان الطوفان الشعبي في غزة قادرا ومستعد في حال توظيفه على الاستيلاء على كل مقرات السلطة التي استولت عليها حماس خلال وبعد الانقلاب في يونيو، فلقد أظهرت الجماهير قدرتها على إلحاق الهزيمة بأية قوة عسكرية، وكان بالطبع سيقع الكثير من الضحايا، غير أن الذي لم يقع في هذه المرة قد يقع في مرة قريبة مقبلة، ونحو أن تمسك الجماهير بزمام المبادرة في حال ظلت الفصائل المعنية متمسكة بخياراتها.

فإذا كانت القيادات الفصائلية لا تحسن قراءة التاريخ، فإن جمهور غزة في ذكرى رحيل عرفات، قد أعادت إلى ذاكرتهم، أن الشعب كان وما يزال وقد نجح مرات كثيرة في تصحيح أخطاء وخطايا قياداته، وأنه غير مرة أنقذهم من أزمات وحصارات كثيرة. درس بليغ كبير ورسالة مباشرة لكل من يعنيه الأمر، فالعنجهية لم تعد تحمي أحداً، والقمع وسقوط الضحايا لم يعد يردع شعباً غاضباً.

أما الرسالة التي أوصلها الجمهور للمحتل الإسرائيلي والمراهنين على استثمار ضعف الفلسطينيين وانقسامهم لابتزاز تنازلات سياسية، هذه الرسالة تقول إن القيادات يمكن أن تنقسم وتختلف وربما تتصارع، لكن الشعب موحد حول قضيته وحول أهدافه وتطلعاته.

وإذا كان المفاوض الفلسطيني قد استمد ما جرى في قطاع غزة لمناسبة الذكرى الثالثة لرحيل أبو عمار بما يرد على الإدعاءات الإسرائيلية بشأن ضعف الفلسطينيين وبما يشكك في قدرة السلطة على تمثيلهم، وعلى قدرتها لتنفيذ الالتزامات التي تترتب عليها، فإن هذا الجمهور الواسع يحمل رسالة تحذير للقيادة الفلسطينية من أية تنازلات عن الثوابت الوطنية.

وبعد ارتباك شديد وقلق إزاء الخيارات المطروحة وغير المجدية للخروج من الأزمة الخطيرة التي انزلق نحوها الوضع الفلسطيني منذ يونيو الماضي، فإن الرأي العام خصوصاً في قطاع غزة، بات يطرح مخرجاً واقعياً، ربما يكون مكلفاً، لكنه مخرج قد يرغم الجمهور الفلسطيني في وقت لاحق، على أن يأخذ بيده زمام المبادرة للحل، الأمر الذي يفتح على خيارات أخرى وتطورات من طبيعة استراتيجية في مجال التوازنات الداخلية.

رسالة الجماهير الفلسطينية في غزة، وما رافقها وتبعها من رسائل أخرى قوية ومباشرة صدرت عن الجماهير الفلسطينية في مدن الضفة، لابد أن تدق أجراساً قوية لدى القيادات السياسية لتعديل أو تغيير خياراتها، ذلك أن غياب صوت العقل والحكمة لا شك سيؤدي إلى خسائر باهظة وأثمان كبيرة كان يمكن تجنب دفعها.

كاتب فلسطيني