إبّان حكم دولة السلاجقة ظهر إلى العيان أمير تركي اسمه «آق سنقر» الملقب بقسيم الدولة، وهو لقب منحه إياه سلطان السلاجقة «ملكشاه الأول» لما له من مكانة عنده، حتى قاسمه لقب الدولة وتدبير شؤونها وتصريف أمورها ومهامها الجسيمة.

وتقديراً لأعمال هذا الأمير وخدماته الجليلة ولاّه الملك حكم مدينة حلب والمناطق التي حولها، إلا أن تلك المنطقة كانت تعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية فيها، فأميرها السابق كان مهملاً لشؤون السكان الداخلية ناهيك عن تجاهله لتطوير الحياة الاقتصادية مما أدى إلى تراجع الاقتصاد.

فقام الأمير بفرض ضرائب وإتاوات باهظة على الناس حتى أثقل كاهلهم، فانتشر اللصوص وقطاع الطرق وانعدم الأمن على الطرقات وكانت النتيجة أن تعطلت الحركة التجارية وقلّت السلع وتراجعت الزراعة.

فكان أوّل ما قام به سنقر هو إقامة الحدود الشرعية، فطارد اللصوص وكسر شوكتهم. ثم ألغى الضرائب الباهظة وأعطى كل ذي حقّ حقّه، وكان من أهم ما قام به سنقر هو «اختراعه» لمبدأ المسؤولية الجماعية، فإذا تعرض أحد للسرقة فإن أهل المدينة جميعاً يكونون مسؤولين عن دفع الضرر الذي لحق بالمسروق.

ولذلك أصبح جميع الناس حرّاساً لمال بعضهم البعض إلى أن وصل بهم الحال يوماً أن أصدر سنقر تعميماً إلى جميع الناس بأن يناموا وأبواب منازلهم مشرّعة، في تحدٍ صارخٍ للمجرمين الذين استؤصلت شأفتهم من جميع المناطق التي حكمها سنقر، فعادت الأوضاع الاقتصادية إلى سابق عهدها.

بل إن الأمن والأمان كانا الصفة التي لازمت جميع المناطق التي حكمها قسيم الدولة، حتى عرفت سيرته بالعدل فقال عنه ابن الأثير:«كانت بلاده في رخص عام وعدل شامل وأمن واسع» وقال عنه ابن كثير:«كان أحسن الملوك سيرة، وأجودهم سريرة وكانت الرعية في أمن وعدل ورخص».

قسيم الدولة هو والد عماد الدين زنكي، الذي وقف كالطّود العظيم في وجه الحملات الصليبية على بلاد المسلمين، والذي أسس القواعد وأرسى الركائز التي سار عليها ابنه نور الدين زنكي والذي خلفه بعد ذلك صلاح الدين الأيوبي في تحرير بيت المقدس، ولولا هذه السلالة العظيمة التي غيّرت مجرى التاريخ وقلبت موازين القوى العالمية آنذاك، لربّما لم تقم للإسلام قائمة على أرض القدس.

عرف عماد الدين زنكي بقدرته الفائقة على اختيار الرجال الأكفاء، وكان يؤمن بأن هؤلاء هم دعائم دولته، حتى أنه أراد يوماً أن يختبر أمانة أحد الذين كانوا معه فأعطاه كعكة وطلب منه أن يبقيها معه حتى يطلبها منه، وظل هذا الرجل يحملها في جيبه أينما ذهب، إلى أن طلبها منه زنكي بعد سنة كاملة، فأخرجها الرجل من منديل كان في جيبه لا يفارقه.

وكان زنكي يبحث دائماً عن أصحاب الهمة العالية والآراء الصائبة، وكان على ذلك يظهر لهم تقديره بشكل دائم، وكان أكثر شيء يحرص عليه هو أن يضع هذه الهمم في الأماكن التي تناسبها.

وكان زنكي أيضاً قليل «التلوّن» على رجاله، وكان بطيء الملل والتغير، فهو لم يتغير على أحد من أصحابه منذ أن ملك حتى مات، إلا من ارتكب جريمة وحق عليه العقاب.

وكان لا يبخل على موظفيه ويوسع لهم في الرزق بما لا يضرّ بخزانة الدولة، وكان ينهاهم دائماً عن امتلاك الأملاك والأراضي الشاسعة معللاً ذلك بأنه يكفيهم حاجتهم من المال، وإن هم انشغلوا بالأملاك فمن ذا الذي سيدبّر أمور الدولة كان زنكي من أوائل الذين وضعوا نظاماً إدارياً لإدارة الدولة.

فقد اهتم بالوظائف والموظفين اهتماماً كبيراً حتى يسيّر دولته بنظام وبأسس صحيحة، وكان حريصاً على أن يكون النظام الإداري هو المسيطر في (دوائره الحكومية) إن صحّ التعبير، وكان مبدأ تكافؤ الفرص هو أول مبدأ غرسه زنكي في مؤسسات دولته.

فترقية موظفيه كانت منوطة بإنجازاتهم وبكفاءاتهم للاضطلاع بأمور العمل، وكان بذلك لا يرفع أحداً فوق أحد إلا إذا أثبت نفسه بغض النظر عن سنّه وأسرته، وكانت كفاءة الموظف أساساً لتقدير راتبه.

واشتهر زنكي أيضاً بثقته في موظفيه، حيث كان يؤمن بأن الموظف يجب أن يشعر بالأمن والاستقرار لكي يستطيع أن يعمل بجد ويخلص في عمله، ولا أعني بالثقة هنا النزاهة والأمانة فقط، بل الثقة بقدرة هذا الموظف على تحقيق الأهداف حتى وإن شاب عمله بعض الأخطاء، فكما قال الرافعي:«عليك أن تسعى وليس عليك إدراك النجاح» ولذلك لم يكن زنكي يتذمر من موظف أخطأ في عمله، بل كان يبذل لهم من وقته ومن خبرته ليضعهم في الاتجاه الصحيح.

وعلى الرغم من أنه أطلق أيدي موظفيه للإبداع والتنمية وتطوير أنظمة جديدة للعمل (بمفهوم ذلك الوقت) إلا أنه لم يكن يرحم أحداً إن هو أخطأ في حق الناس (أو العملاء بمصطلح اليوم)، فلقد عاقب يوماً أحد أكبر موظفيه لأنه سلب يهودياً بيته. ولم يكن زنكي رقيق القلب، ولكنه لم يكن فظّا غليظاً أيضاً، وكان يحب موظفيه ويحترمهم، فاستطاع أن يصنع منهم قادة استطاعوا بدورهم أن يصنعوا له دولة

عندما يحب المدير موظفيه فإنه يصبح أباً لهم، وليس من الضروري أن يكون المدير أكبر سناً من موظفيه، فالأبوة حب ومسؤولية، قد تجتمعان في قلب طفل تجاه لعبته، أو تتزاحمان في قلب أب تجاه أبنائه.

من شروط «المدير الزنكي» أن يقدّم حبه لموظفيه على حبه لوظيفته، وأن يعمل من أجلهم لا أن يعملوا من أجله. عندما يكرّس المدير الزنكي نفسه للإنسان تكرّس الحياة نفسها له، وعندما يسمو بموظفيه ويحرص على تدريبهم وتطويرهم ودفعهم إلى الأعلى يصبحون حوله كالتروس التي تقي صاحبها نبال الزمن.

والمدير الزنكي لا يخاف من موظفيه بقدر ما يخاف عليهم، فهو قائدهم وملهمهم، وهو معلّمهم الأكبر الذي رغم صغر سنّه يجلّونه كأنّه شيخ طريقتهم. والمدير الزنكي يؤمن بحكمة طاغور الذي يقول فيها:«بقدر ما تدنو من العظمة بقدر ما تدنو من التواضع».

عندما نخرج من مكاتبنا ونقف في الشارع في انتظار إشارة عبور المشاة تتساقط جميع ألقابنا، وهناك من تسقط أقنعتهم، وهناك من تسيل مساحيق تجميلهم... فعندما يقف الناس في الشارع يتساوى المدير مع الموظف البسيط، وتتساوى أقدارهم وتتسطح أحلامهم، فالجميع يريد أن يصل إلى الطرف الآخر من الشارع سالماً.

فلماذا إذن نتقلّد ألقاباً ومسميّات كلما دخلنا مكاتبنا الرثّة لا لشيء إلا لتنسينا أننا سننزل إلى الشارع يوماً لا محالة؟ ولماذا ننسى دائماً بأنه لا يفصلنا عن الشارع سوى زجاج رقيق لن يستطيع أن يمنعنا من النزول إليه عندما ينتهي وقت العمل؟

باحث إماراتي

moc.liamg@berah.ressay