ليس صحيحاً ما يعتقده البعض من أن روسيا تناور وتخدع أحداً في مسألة النووي الإيراني، لا الجانب الإيراني ولا الجانب الأوروبي أو الأميركي، بل من الواضح أن موسكو رغم علاقاتها الوطيدة بطهران تحاول تعديل سياسة إيران النووية.

وعلاوة على ذلك في صالح مطالب معارضيها الرئيسيين ـ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي: إما التخلي عن تخصيب اليورانيوم وإما العقوبات المشددة، بل أكثر من ذلك يمكن القول ان روسيا لا تثق ثقة كاملة في تطورات السياسة الإيرانية ومنعطفاتها وتحولاتها التي من الممكن أن تأتي في المستقبل بما لا ترغب فيه موسكو وترفضه.

وقد أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عقب اللقاء مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أن روسيا تعارض العقوبات الأحادية الجانب ضد إيران ولا تزال تدعو إلى حل المشكلة بصورة جماعية. وفي هذه العبارة نقطة مهمة. فهي تعني أن موسكو خلافا لطهران لا تنفي في الواقع وجود مشكلة نووية إيرانية وتتحدث عن ضرورة حلها.

ولكن للأسف أن هذا كله في الحقيقة لا يغير أي شيء في إطار السيناريو الذي تم إعداده بشكل جماعي من قبل واشنطن والأوروبيين، خاصة وأن هذا السيناريو الموقع من قبل روسيا أيضا ينص على تشديد مجلس الأمن الدولي العقوبات ضد إيران ولكن ليس هكذا بدون مبررات أو مقدمات بل فقط في حالة رفضها الكف عن تخصيب اليورانيوم.

وكان يتعين على سيرغي لافروف، على ما يبدو، خلال زيارته القصيرة جدا إلى طهران أن يوضح لأحمدي نجاد حقيقة بسيطة وهي أنه إذا لم تنفذ إيران حتى نهاية نوفمبر مطلب مجلس الأمن الدولي بالكف عن تخصيب اليورانيوم فلن تبقى لدى موسكو أي مسوغات للدفاع عنها. وبعكس ذلك (في حالة رفض تنفيذ مطلب الأمم المتحدة) فإن العقوبات.

كما أعلن منسق السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا ستكون حتمية، وحينئذ سوف يكون الموقف الروسي صعبا، و قد جرى تكليف سولانا بالذات بالإضافة إلى رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي بإعداد تقرير بشأن البرنامج النووي الإيراني حتى 15 نوفمبر. ويستدل من تصريحات سولانا أن الرجل سيكون حازما جدا هذه المرة.

ومن الواضح ان زيارة لافروف إلى إيران تجاوزت المعايير المعتادة من البداية، إذ لم يخطط لها مسبقا. وكان من الضروري «لهذه الخطوة» أن تظهر دوافع حقيقية دامغة. وقد تتمثل هذه الدوافع في العقوبات الأميركية الأحادية الجانب المفروضة على إيران حديثا.

وبالتحديد ضد خيرة وحدات القوات المسلحة الإيرانية ـ فيلق حرس الثورة الإسلامية وقوته الخاصة «القدس» وكذلك ضد ثلاثة بنوك حكومية إيرانية وفروعها خارج البلد.

وشملت العقوبات أيضا فرع «بنك ملّي» بموسكو الذي تجري من خلاله كل الحسابات والتعاملات المتعلقة بتوريدات المعدات العسكرية الروسية إلى إيران، بما فيها نحو 29 نظاما صاروخيا مضادا للجو «تور ـ م1» مجمل قيمتها 700 مليون دولار، الأمر الذي يعني أن تشدد موقف إيران لن يضرها وحدها بل سيضر روسيا أيضا بشكل مباشر، وقد يكون هذا مقصودا ومتعمدا من قبل الاتحاد الأوروبي وواشنطن حتى يضغطوا على موسكو أيضا لتغيير موقفها.

وهناك دوافع أخرى ليست أقل أهمية. فقد أعلن دانييل فريد نائب وزيرة الخارجية الأميركية مؤخرا أنه إذا أوقفت إيران كل الأعمال المتعلقة بتخصيب اليورانيوم وبدأت التعاون مع المجتمع الدولي فإن الولايات المتحدة ستستخلص الاستنتاجات الضرورية بشأن نشر منظومة الدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا. ولا حاجة هنا كما يبدو لتوضيح أن الحديث يدور حول الصفقة التي عرضها البيت الأبيض على الكرملين.

وهذا المقترح المغري جدا طرح في وقت واحد تقريبا مع زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران. ويرى البيت الأبيض أنه تتوفر لدى موسكو وخاصة بعد الزيارة إمكانية التأثير على بعض جوانب السياسة الخارجية الإيرانية. ولذلك يجدر تكليفها بإقناع «القيادات الإيرانية» بالتخلي عن تخصيب اليورانيوم وتغيير اللهجة تجاه الغرب.

حيث أن الأمر أصبح بالنسبة لروسيا مهم جدا لمصالحها الأمنية، ولا يرضي إيران أن تتسبب في الإضرار بأمن روسيا، وهنا فإن الأميركيين لا يناورون ولا يخدعون، بل بالفعل إذا استجابت إيران لمطالب الغرب وتخلت تماما عن تخصيب اليورانيوم فلن يكون هناك أي مبرر لنشر منظومة الدفاع الصاروخية الأميركية في أوروبا، حيث أن حجتهم الأساسية لنشرها هي ردع التهديد القادم من إيران.

وقد أفادت صحيفة «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» نقلا عن مصادر دبلوماسية أميركية أن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم تنازلات لموسكو بصدد معاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا مقابل تخفيف موقفها من كوسوفو وتشديده من إيران.

وعلى ما يبدو بالفعل أن أفق التنازلات الأميركية الشاملة (في قضايا الدفاع المضاد للصواريخ ومعاهدة القوات المسلحة التقليدية في أوروبا) دفع موسكو لمحاولة إقناع طهران عبر جولة حوارات حول كل الأعمال المتعلقة بتخصيب اليورانيوم. ولكن السؤال هنا هو ماذا بوسع روسيا أن تعد به إيران مقابل هذا كله؟

من المستبعد أن يغري طهران مجرد استعداد واشنطن للجلوس معها وراء طاولة المفاوضات وحتى استئناف الاتصالات الثنائية المباشرة. بل القضية على الأرجح تكمن في شيء آخر. فطهران تعتبر نفسها بإصرار منذ أمد «حليفا استراتيجيا» لروسيا.

لذلك يجدر بموسكو محاولة استغلال هذه العلاقات، وبوسعها تماما بحكم موقعها الدولي ومكانتها السياسية ومصالح الغرب معها أن تكون هي الضامن للطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني مقابل تخلي الولايات المتحدة عن شن أي عملية عسكرية محتملة ضد إيران.

وهذا في حد ذاته أمر منطقي ممكن أن تقبله واشنطن والأوروبيون الذين لا يريدون تصعيد النزاع أكثر من اللازم لأنهم في النهاية متضررون بشدة من توجيه أية ضربة لإيران، ولن تعوضهم واشنطن عن هذه الأضرار، وخاصة عندما يتوقف عنهم النفط ولو لأيام قليلة بسبب الحرب، فهذا وحده كفيل بإشعال أزمات اقتصادية في العديد من بلدان أوروبا.

إذن طهران ترى أن لدى روسيا ما يمكن أن تقدمه أكثر مما قدمت، وموسكو ترى أن إيران تستطيع تفادي الأزمة بتقديم تنازلات، والسؤال المهم هنا من سيستطيع إقناع الآخر بالمبادرة للقيام بالمطلوب منه، موسكو أم طهران ؟، وهل هذا يعني في النهاية أن واشنطن نجحت بالفعل في ممارسة اللعبة على الجهتين الروسية والإيرانية معا؟، هذا ما ستكشفه الأيام المتبقية من شهر نوفمبر الجاري.

كاتب ومحلل سياسي روسي