تتميز الحياة السياسية في الولايات المتحدة بميزة فريدة من نوعها، فهي تتناسب تماماً مع أوضاع بلد تكون من مجموعة من المهاجرين من معظم دول العالم على مدى يزيد على المئتي سنة. فقد تشكلت فيها مجاميع إثنية أو دينية منغلقة على نفسها، إلى حد ما، يُطلق على كل منها مصطلح «اللوبي»، وغالباً ما تورد وسائل الإعلام اسم هذا اللوبي أو ذاك بالارتباط مع حدث سياسي معين وتتحدث عن قوته ودوره في صياغة سياسات الإدارة الأميركية.
في العاشر من أكتوبر المنصرم توترت العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا بشدة حين مررت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي مشروع قانون يعتبر ما حدث للأرمن في تركيا إبان الحرب العالمية الأولى بمثابة إبادة جماعية ذهب ضحيتها زهاء مليون ونصف المليون أرمني حسب ما يدعي بعض المؤرخين.
في حين تشكك تركيا بصحة هذه الأرقام إلا أنها تعترف بأن عدد الأرمن الذين قتلوا نتيجة لعمليات الاقتتال الواسعة النطاق التي شهدتها تركيا إبان الحكم العثماني خلال سنوات تلك الحرب قد يصل إلى ثلاثمئة ألف قتيل، وهي ترفض بشدة مسمى الإبادة الجماعية.
وقد مر مشروع القانون هذا بأغلبية ضئيلة حيث أيده 27 عضواً واعترض عليه 21 من أعضاء اللجنة، وقد سبق عملية التصويت تحذيرات عديدة صدرت عن كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية وعلى رأسهم الرئيس بوش ووزير دفاعه روبرت غيتس من خطورة تبني مشروع قانون كهذا يسيء من غير شك إلى العلاقات مع أبرز حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وفي توقيت زمني غير مناسب على الإطلاق للولايات المتحدة.
إذ رغم اتخاذ تركيا بعض المواقف المعارضة للرغبات الأميركية حين رفض البرلمان التركي السماح للقوات الأميركية استخدام الأراضي التركية لاحتلال العراق عام 2003، وحين قام مسؤولون أتراك بعقد لقاءات مع قيادات في حركة حماس الفلسطينية التي تضعها الولايات المتحدة في خانة الإرهاب، إلا أن الظروف المعقدة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط لا تسمح بتوسيع شقة الخلافات معها.
ويعتبر تمرير مشروع القانون هذا بمثابة خطوة أولى نحو موقف أكثر أهمية وخطورة حيث من المقرر عرضه على الكونغرس في الشهر الجاري لاعتماده كمشروع قانون غير ملزم للإدارة الأميركية. وتكون الولايات المتحدة في حالة إقراره من قبل الكونغرس قد أصبحت الدولة الثانية بعد فرنسا في اتخاذ موقف كهذا حول قضية شائكة تتداخل في تقرير الموقف منها عناصر كثيرة.
ويبدو في سياق هذا الموضوع إن اللوبي الأرميني في الولايات المتحدة، الذي يبلغ تعداده قرابة المليون وربع المليون شخص من آباء أرمينيين، قد لعب دوراً مهماً في هذا الشأن ونجح في طرح قضيته بهذه القوة، فهذه ليست المرة الأولى التي يُطرح فيها مشروع القانون هذا، فقد سبق أن عطل سياسيون بارزون في الولايات المتحدة مشاريع قوانين مشابهة عامي 2000 و2005 بسبب ضررها على المصالح العليا للولايات المتحدة.
لقد عمل هذا اللوبي ولسنين طويلة على تركيز نشاطاته وتصعيد ضغوطاته من أجل أن تتبنى الولايات المتحدة قضيته، وهو ينشط في أماكن وجود الأرمن الأميركان خاصة في ولايات نيوجرسي ومشيغان وكاليفورنيا، حيث تمثل نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب والشخصية الثالثة من حيث الأهمية في المؤسسة الأميركية وأكثر المتحمسين لتمرير مشروع القانون، إحدى دوائرها الانتخابية.
إن أكثر المنظمات الأرمينية فاعلية في الولايات المتحدة هي الجمعية الأرمينية التي تضم عشرة آلاف عضو والتي ترصد سنوياً ما يقرب من ربع مليون دولار من أجل إبقاء القضية الأرمينية حية على أجندة السياسيين في العاصمة الأميركية. ولم تستطع تركيا أن تُحيد نشاط هذه الجمعية بنشاط مضاد يعكس حججها ووجهات نظرها رغم صرفها مبالغ كبيرة في ذلك.
وقف إلى جانب تركيا محاولاً عرقلة مشروع القانون هذا سياسيون كبار في الولايات المتحدة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقد دعم الجهود التركية المقربون من اللوبي اليهودي القوي في الكونغرس، إلا أن المشروع رغم ذلك قد وجد طريقه ليرى النور.
كان رد فعل تركيا المباشر هو سحب سفيرها من واشنطن في بادرة جفاء واضحة تعبر عن الاستياء من قرار اللجنة وتفتح الباب أمام إجراءات أخرى من شأنها أن تزيد من الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في العراق في حالة إقراره من قبل الكونغرس وهو ما نوهت به بوضوح. فقد صرح وزير الخارجية التركي باباجان في زيارته الأخيرة إلى إسرائيل بأن تمرير مشروع القانون هذا لن يلحق الضرر بالعلاقات التركية الأميركية فحسب وإنما بالعلاقات التركية الإسرائيلية كذلك.
وأعقب ذلك قيامها بتصعيد الموقف من حزب العمال الكردستاني التركي الذي يتخذ من كردستان العراق قاعدة لشن هجمات داخل الأراضي التركية. فقد حشدت ما يزيد على المئة ألف جندي على حدودها الجنوبية في عرض للقوة يتيح لها أن تجتاح أراضي إقليم كردستان العراق لاجتثاث قواعد الحزب وتربك المشروع الأميركي في المنطقة أبلغ إرباك.
إذ أن أي اجتياح كبير لأراضي كردستان العراق من نوع الاجتياحات التي حصلت في تسعينات القرن المنصرم سوف ينهي حالة الاستقرار في أكثر مناطق العراق استقراراً منذ التاسع من أبريل عام 2003، وسيدفع المنطقة إلى حالة من الفوضى في الوقت الذي تبذل الولايات المتحدة قصارى جهدها لعكس ذلك خاصة وأنها قد استنفدت تقريباً جميع السيناريوهات الممكنة لتحقيق الاستقرار في العراق.
فتركيا محبطة وهي ترى واشنطن قد فشلت حتى الآن في اتخاذ إجراء مباشر ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني التركي في العراق، وترى بأنها لم تسلط من الضغوط ما يكفي لإلزام حكومة بغداد أو حكومة كردستان العراق على فعل ذلك.
تستطيع تركيا إغلاق مجالها الجوي وخاصة القاعدة الأميركية المهمة في إنجرليك شرق الأناضول في وجه الطائرات الأميركية، وهي من أهم القواعد التي توفر اللوجستيات الخارجية للعمليات العسكرية الأميركية في العراق. هذا إضافة إلى إنها قد تعمد إلى إجراءات أخرى، فهناك ما يقرب من 70% من البضائع التي تنقل إلى العراق تمر عبر أراضيها، كما أنها تزود القوات الأميركية العاملة في العراق بما يقرب من 30% من الوقود الذي تحتاجه هذه القوات حسب مصادر وزارة الدفاع الأميركية.
ومما يجعل الإدارة الأميركية تنظر بقلق شديد إلى تداعيات هذه الأزمة هو يقينها بأن الأتراك لا يطلقون تهديدات جوفاء فقد سبق لتركيا أن قطعت جميع علاقاتها العسكرية مع فرنسا حين صوت البرلمان الفرنسي في العام الماضي على مشروع مشابه يدعو تركيا إلى الاعتراف بعملية الإبادة الجماعية التي حصلت للأرمن.
اتخذت إسرائيل من هذه القضية موقفاً حذراً لا يفرط بالعلاقات مع أنقرة، إذ أن تركيا هي الدولة الإسلامية الأولى التي اعترفت بإسرائيل وأقامت معها علاقات تعاون عسكري على مدى العقدين المنصرمين. ويتلخص الموقف الإسرائيلي في الدعوة لحل هذه القضية عن طريق مفاوضات مباشرة بين تركيا وأرمينيا وهو موقف ليس ببعيد عن موقف الإدارة الأميركية.
إن عاصفة الرفض التي قوبل بها مشروع القانون هذا داخل الولايات المتحدة والإجراءات الحازمة التي اتخذتها تركيا قد حجمت كثيراً من النصر الذي حققه اللوبي الأرميني، وفي سياقات كهذه يراجع الديمقراطيون الذين ساندوا مشروع القانون حساباتهم بعد أن اختبروا ردود الأفعال التركية، فقد سحب بعض من دعم مشروع القانون تأييده وانتقل إلى صف معارضيه.
«نحن نحتاج إلى كل حليف نستطيع الحصول عليه في العراق» هذا ما قاله أحد الذين ساندوا مشروع القانون ثم سحبوا مساندتهم له، وأضاف «تركيا مهمة للجهود التي نبذلها في العراق، فلدينا هناك مئة وستون ألف جندي».
وفي ضوء تراجع التأييد لهذا القانون يُحتمل أن تسعى نانسي بيلوسي إلى تأجيل عرضه على الكونغرس، وهذا من صلاحياتها الدستورية، في انتظار فرصة أفضل توفر ضرراً أقل للمصالح الأميركية. وخطوة كهذه تؤجل لحظة الصدام مع تركيا وتجعل النصر الذي حققته الأخيرة نصراً مؤقتاً.
كاتب عراقي