بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 في نيويورك انطلقت الحملة الأميركية على ما أسمته ب«الإرهاب»، ورافق هذه الحملة حملة أخرى سياسية وإعلامية تحمل شعار «الإصلاح السياسي والديمقراطية»، وتبلورت هذه الحملة في ممارسة الضغوط على الأنظمة الحاكمة سواء الحليفة أو الصديقة أو العدو لواشنطن.

ولم يكن الهدف منها لا الإصلاح ولا الديمقراطية بل كان الهدف الأساسي إخضاع هذه الأنظمة لشروط ومتطلبات واشنطن في المرحلة الراهنة وبأقصى قدر، حتى لو كان ذلك ضد رغبة الأنظمة أو ضد مصالح الشعوب، واستخدمت واشنطن في حملتها هذه قوى المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني والقوى السياسية المهمشة والأقليات العرقية والدينية وغيرهما.

كما استخدمت بعض أعضاء النخبة المثقفة والسياسية ممن أطلق عليهم البعض لقب «الليبراليون الجدد» والذين تم تلميعهم وتقديمهم إعلاميا ليرددوا شعارات حملة الإصلاح والديمقراطية الأميركية.

الغريب في الأمر أن كثيراً من هؤلاء الليبراليين الجدد وخاصة في بلداننا العربية، وبالتحديد في مصرهم من الماركسيين السابقين والتقدميين من أهل اليسار الذين قضوا سنوات عمرهم في النضال الشرس ضد الإمبريالية الأميركية وقضوا سنوات من عمرهم خلف القضبان بسبب هذا النضال وبتهمة ولائهم لموسكو الشيوعية في زمن الاتحاد السوفييتي السابق وكانوا يرفضون مصطلحات الديمقراطية وحقوق الإنسان ويعتبرونها مفردات إمبريالية غربية تستهدف إثارة الاضطرابات والقلاقل والمؤامرات في المجتمعات الاشتراكية والتقدمية.

الآن بعض هؤلاء الرافضين السابقين يتسابقون ويتنافسون فيما بينهم في ترديد هذه الشعارات ويؤسسون مراكز للدراسات وجمعيات تحت مسمى «الدفاع عن حقوق الإنسان» تلبية لنداءات واشنطن.

وسعيا لكسب رضائها وتمويلها، والأكثر من ذلك أن بعضهم يقوم بأعمال تعد وفق قوانين بلادهم جريمة تعامل مع جهات أجنبية ضد أمن ومصالح الوطن، فبعضهم يكتب التقارير حول المجتمع الذي يعيش فيه بالصورة السلبية التي تريدها واشنطن ويرفعها لجهات أميركية وأوروبية سرا بدون علم حكومات بلاده ويتقاضى عن ذلك أموالا.

وإذا ألقي القبض عليه واتهم بهذه التهمة ادعى أنه يناضل من أجل حقوق الإنسان والإصلاح السياسي في بلاده واستنجد بالأميركيين.

وقد زاد نشاط هؤلاء الليبراليين والإصلاحيين الجدد في بلداننا العربية وزاد ظهورهم الإعلامي على شاشات الفضائيات خلال الأعوام الأربعة الماضية بعد احتلال العراق.

ونلاحظ بوضوح أن نشاطهم تركز على مقاومة الأنظمة الحاكمة وانتقادها بشدة في نفس الوقت خلا تماما من تناول أية قضية تمس واشنطن أو حتى إسرائيل، بل بالغ بعضهم في الولاء لواشنطن أن أخذ يهاجم القومية العربية والتضامن العربي ويعتبرها من أوهام الماضي، ولم نسمع منهم أحدا ينتقد ما يحدث في العراق على يد الاحتلال الأميركي من دمار وقتل وتخريب وتفتيت وطمس للهوية العربية ولم نسمع منهم من ينتقد ممارسات العدو الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني.

ولكن على ما يبدو أن الأمور والأحوال مع واشنطن كالعادة لا تدوم، وصديق اليوم عدو الغد والعكس يجوز عند الأميركان الذين لا يعرفون إلا مصالحهم فقط، فقد عادت واشنطن مع تأزم مواقفها في العراق ولبنان وفلسطين تتقرب من الأنظمة العربية الحاكمة التي كانت تنتقدها بعد 11 سبتمبر وتسلط عليها ليبرالييها الجدد ومؤسسات المجتمع المدني المصطنعة بأيدي أميركية.

وفي نفس الوقت بدا بوضوح إهمال واشنطن لهؤلاء الليبراليين والجوقة الذين رددوا نداءاتها حول الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبات على هؤلاء المساكين المخدوعين في الوعود الأميركية أن يلقوا مصيرهم المحتوم على أيدي الأنظمة الحاكمة التي عادت تطيح بهم في السجون والمعتقلات بعد أن خفت عنها الضغوط الأميركية السابقة وأصبحت واشنطن في حاجة لدعمها لها.

من المضحك والمحزن في نفس الوقت أن أحد هؤلاء القادة الليبراليين الذين خدعوا في الوعود الأميركية ودفع الثمن غاليا أصبح الآن يكيل الاتهامات والانتقادات وربما الشتائم لإدارة الرئيس بوش عن طريق مقالات يكتبها من خلف قضبان سجنه، بعد أن تخلت عنه واشنطن وتركته فريسة سهلة للنظام الحاكم الذي كان يكيل له الشتائم والانتقادات.

ولم يعد الإعلام والفضائيات يديرون له أي اهتمام بعد أن كان من قبل نجمهم المفضل، والأكثر غرابة أن هذا الليبرالي الضحية ينشر مقالاته التي يكتبها في السجن في جريدة «ناصرية» ترفع شعارات القومية والتضامن العربي، أي أن هذا الليبرالي الأميركي سابقا انقلب 180 درجة في أفكاره ومبادئه بعد أن انكشفت له حقيقة خدعة الإصلاح والديمقراطية الأميركية، والبقية من الليبراليين الجدد سوف يلحقون به قريبا بعد أن ينفض المولد الأميركي وتسقط كافة الأقنعة.

elmoghazy@hotmail.com