لا أعرف إن كانت وزارة التربية التي تطل علينا بين يوم وآخر بقرار جديد سواء كان خاصا بالطلاب، أو بالإداريين، أو بالعملية التعليمية ككل، تحيط علًا بما يحدث داخل صفوف المدارس الحكومية التي تمثل الوجه الحقيقي لها، والتي يظهر فيها بشكل واضح ومباشر أثر كل تلك القرارات التي تقترب حينا من الواقع التربوي والتعليمي المنوط بالوزارة، وتبتعد أحيانا، أم أنها لا تعلم.

إننا نتحدث عن تطوير التعليم، ونسعى سعيا جادا وحثيثا للوصول إلى معلم «وفق المعايير العالمية»، لكننا إذا نظرنا إلى الواقع سنجد أننا نتحدث عن معلم غير مؤهل للقيام بالدور التربوي التعليمي الموكَل إليه، لأنه ـ أحيانا ـ لا يعرف شيئاً عن المادة التي يدرسها حتى إن كان حاصلا بالفعل على شهادة جامعية فيها.

ربما تكمن المشكلة الأساسية في أن وزارة التربية تقبل بتعيين خريجين نالوا شهاداتهم الجامعية وهم على شفا حفرة من الرسوب الذي قد يعني في أحيان كثيرة الإنذار النهائي والفصل من الجامعة. وما هذا إلا دليل على ضعف مستوى هذا الطالب أو هذه الطالبة.

وإذا كان الطالب ضعيفا، كيف يمكننا أن نأتمنه على أبنائنا ونطمئن على صحة المعلومات التي يمدهم بها، حتى إن كان بين يديه كتاب مقرر، لأن الكتاب المقرر لا يقول كل شيء، ويعوّل في العملية التعليمية كثيرا على جهد المعلم ومعلوماته الخاصة وثقافته العامة التي تساعده على فتح نوافذ كثيرة أمام الطلبة من خلال معطيات الدرس الواحد.

لا أعتقد أن أهم معايير المعلم «العالمي» هي إتقان اللغة الإنجليزية أو التمكن من المهارات الحاسوبية. إن هذه الأمور قد تكون مطلوبة كما قد تكون ضرورية، لكنها ليست أساس العملية التربوية التعليمية، فالأساس هو أن يكون المعلم متمكنا من مادته، وهذا يتطلب وضع امتحان حقيقي لكل من يفكر في الانخراط في السلك التربوي التعليمي، يقيس معلوماته التخصصية وثقافته العامة.

بحيث لا يقف في موقف المعلم إلا من امتلك زمام المادة التي تخصص فيها، مع الإشارة إلى أن الدرجات والتقارير التي ترد في كشف درجات الطالب المتخرج في الجامعة ليست دائما مؤشرا صادقًا ومقياسا حقيقيا للمستوى المعرفي والثقافي للطالب؛ فكثير من الطلبة والطالبات يكتفون بحفظ المادة قبيل الامتحان بليلة.

ويفرغون كل ما حفظوه في صبيحتها، لكنهم لا يستطيعون أن يتذكروا حرفا منها في مساء ذلك اليوم نفسه، لأن ما يأتي سريعا يذهب سريعا، وليس هذا فقط هو سبب عدم مصداقية كشوف الدرجات بطبيعة الحال؛ فهناك أسباب أخرى مما لا يتسع المجال لذكرها هنا.

وعودة للفكرة الرئيسية فإنني أرى أن الشخص الذي يستحق أن يكون معلما هو الشخص الذي يتمتع بمعلومات تخصصية وثقافية ممتازة، وبالإضافة إلى ذلك فإنه يجب أن يتمتع بمستوى أخلاقي عال جدا، بحيث يكون قدوة حسنة لتلاميذه.

وجميعنا يعلم أن هذا أمر تحرص عليه وزارة التربية والتعليم في أي زمان ومكان، وهذا أمر لا جدال فيه بالنسبة لمعلمينا ومعلماتنا الأفاضل، إلا أنني أقصد هنا بعض الأمور التي قد يراها البعض صغيرة وتافهة، لكنها تؤثر بشدة في تشكيل شخصية الأطفال الطلاب، من مثل التلفظ بألفاظ نابية أمامهم، سواء أكانت موجهة لهم أو لغيرهم، أو التعامل معهم بأسلوب فيه شيء من الاستهانة بهم والاستخفاف بقدراتهم.

وهو أمر نلمسه في بعض مدارسنا من قِبَل بعض المدرسين الذين يُفترض أنهم يحملون حملا عظيما، وهو القيام بتربية هؤلاء الطلاب الأطفال قبل تعليمهم الموادّ الدراسية، مع الإشارة إلى أن مثل هذه الأمور السلوكية تنتقل بالمعايشة والمشاهدة، ولا تُعلَّم أو تُلَقّن.

وقد يجدر بي تأكيد أن الهدف من كلامي هذا ليس الانتقاد السلبي بقدر ما هو محاولة للتنبيه على كل ما من شأنه تشويه الدور التربوي للمعلم من خلال سلوكيات قلة منهم، وهذا كي تكون العملية التعليمية عملية تربوية بالمقام الأول، لأن المعلم قادر على نقل هذين العنصرين المهمين إلى الطلبة سلبا أو إيجابا.

سواء قصد ذلك أو لم يقصد؛ فالأطفال يلتقطون كل شيء بوعي ودون وعي، وإغفال بعض المعلمين الجانب التربوي الذي يجب أن يركزوا عليه أكثر من الجانب التعليمي قد يتسبب في كثير من الأضرار النفسية للطلبة، ومثل هذه الأضرار يمتد أثرها ليمسّ المجتمع بأسره.

لأن عدم شعور الطالب بالراحة النفسية في المدرسة ينشئ حاجزا نفسيا بينه وبينها، ومن ثم فإنه يصبح أقل رغبة في الذهاب إلى المدرسة، وإن ذهب فإنه لا يقوم بدوره على أفضل حال، وكلا الوضعين له أثر سيئ على الطالب وأسرته ومجتمعه.

إنني أنطلق في كلامي هذا من واقع أعيشه في ضوء معاناة طفل من عائلتي مع معلم يتعمد أن يتعامل مع الطلبة باستخفاف يبلغ حد التحقير أحيانا، فهو يرفع صوته على الطلبة، وربما على هذا الطفل خصوصا، ويتعمد جرحه وإهانته، على الرغم من أن هذا الطفل في الصف الثاني الابتدائي، أي أنه طفل صغير قد يخطئ وقد ينسى حل واجباته، لكن التعامل معه لا يجب يكون بالعنف الجسدي أو النفسي.

إن هذا المعلم لم يتردد في أن يضرب الطفل الصغير في الصف أمام زملائه، كما أنه «جرّه» ذات يوم من الخلف حتى سبّب له جرحا على امتداد رقبته بالعرض بمحاذاة حدّ الثوب عند الرقبة، ومع محاولة والده تصعيد الأمر إلى أقصى درجة تمكنت إدارة المدرسة من «لملمة» الموضوع وبقائه بين أسوارها.

وبناء على هذا فإنني أتساءل عن إمكانية تطوير العملية التعليمية إن كانت مدارسنا تضم أناسا مثل هذا الشخص الذي يصعب علي أن أصفه بالمعلم، لأنه لن يعلم أبناءنا إلا العنف والتفاهم باليد، ومع أن رفع الشكوى ضدّه إلى الجهات المختصة قد تتسبب له في كثير من الأذى إلا أنه لا يقيم وزنا لذلك، فقد استمر في أداء دوره غير التربوي في الصف بإخلاص غريب، وجميعنا يعلم أن هذه ليست حالة شاذة.

وأن هذا المعلم ليس المعلم الوحيد في مدارسنا الذي لم يفهم دوره التربوي فهما حقيقيا فلا يقوم به على وجهه الصحيح، لذلك يجب علينا أولا أن نعيد ترسيخ القيم التربوية لدى بعض المؤتمنين على أبنائنا الطلبة قبل أن نزودهم بالمهارات اللغوية والحاسوبية وغيرها.

لأن وجود حاجز نفسي بين الطلبة ومعلمهم سيحول دون وصول المعلومة لهم مهما كان متمكنا من المادة التي يدرسها، وبالتالي فإن جميع تلك المساعي الحثيثة والجادة لصنع معلم المستقبل ««وفق المعايير العالمية» ستذهب أدراج الرياح إذا لم نهتم قبل كل شيء بشخصية المعلم وسلوكه.

جامعة الامارات

sunono@yahoo.com