مع الاعتذار للكاتبة فاطمة المرنيسي، التي ألفت كتابا حول «السلطانات المنسيات» اللاتي لم يحظين بفرصة الظهور والشهرة في ميدان السياسة، وبخاصة في التاريخ السياسي الغابر للدول الإسلامية، فإن ما تشهده الساحة السياسية في العالم تفرض أكثر من مناسبة لإعادة الحديث حول السلطانات أو كما يعرفن بألقابهن العصرية المتداولة الآن، وتتربع على قمة الهرم السياسي.
في هذه اللحظة من التوقيت الزمني العالمي عدة أسماء أصبحن علامات سياسية فارقة خاصة وان البعض منهن استطاعت أن تكسر طوق الاحتكار السياسي في بلد لم يشهد من قبل وصول امرأة إلى قمة السلم السياسي.
وقد أثبتت «ميشيل باشليه» كأول رئيسة لتشيلي حدوث تغيّر اجتماعي كبير بشهادة خبراء الاجتماع أنفسهم أدى إلى نجاحها في الانتخابات في بلد يعرف عنه بأنه من أكثر الدول المحافظة في أميركا اللاتينية.
فقبل ثمانين سنة لم يكن لدى النساء في أي دولة في أميركا اللاتينية حق التصويت، وطبقا لمنتدى الاقتصاد العالمي، الذي يحدد المساواة في «الجندر» ـ أو أدوار كلا الجنسين في المجتمع ـ في 116 دولة اعتمادا على المشاركة في التعليم والصحة والاقتصاد والسياسة، نجد أن النساء اللاتينيات يأتين خلف الرجال.
رغم أن نساء أميركا اللاتينية أكثر تعليما منهم، ومع ذلك تتعرض النساء اللاتينيات لموجات من العنف الأسري بل والتمييز، لذا يأتي تبوؤ «باشليه»، المرأة التي عرفت كيف تداوي أطفال مجتمعها بصفتها طبيبة أطفال وأم لثلاثة أبناء، لتؤكد عن جدارة قدرتها على تبني برنامج انتخابي حقق فوزا ساحقا على منافسها الملياردير اليميني بينيرا.
ولعل اختمار تجربة الاعتقال والسجن التي تعرضت لها خلال عهد الدكتاتور بينوشيه، ساهمت في مداواة جراحها من خلال التفاف الشعب حولها عبر انتخاب شعبي، فللمرة الأولى في أميركا الجنوبية تنتخب امرأة رئيسة بالانتخاب الشعبي.
وعلى غرار التجربة التشيلية وبعد عام واحد فقط منها، حققت الأرجنتينية «كريستينا فرنانديز» نصراً ساحقاً في الانتخابات لكي تصبح أول رئيسة منتخبة للأرجنتين، ثاني اكبر دولة في أميركا اللاتينية ولعلها الزوجة الوفية التي جاءت لتستكمل مسيرة زوجها الرئيس المنتهية فترة رئاسته.
فقد كان الرئيس «نستور دي كيرشنر» قد أسهم في انتشال البلاد من أزمة اقتصادية حادة نجمت عن ارتفاع ديونها إلى مئة مليار دولار، وتمكن من السيطرة على التضخم وزيادة حجم النمو وأوجد مزيداً من فرص العمل، لذا ليس مستغربا أن تنجح «كريستينا» بفعل رفعها لشعار «التغيير في إطار الاستمرارية».
وفي القارة السوداء نجحت «ايلين جونسون سيرليف» في الفوز في الانتخابات الرئاسية الأولى في ليبيريا بعد انتهاء 14 عاما من الحرب الأهلية في البلاد، ورغم أعوامها التسعة والستين إلا أنها لا تزال تواصل عطاءها السياسي.
ولم يكن اللقب الذي يصفها «بالمرأة الفولاذية» بعيداً عن حقيقة عزيمتها كأول رئيسة منتخبة في أفريقيا وقالت إبان نجاحها: إن «النساء في كل مكان ينتظرن الاستمتاع بهذا النصر.. إن هذا باب كبير يفتح للنساء في كل القارة، وأنا سعيدة جدا لأني سأكون من سيفتح هذه الأبواب»، وفي عهدها شهد الاقتصاد نمواً بلغ 8% سنوياً.
وارتفعت معدلات التحاق الأطفال بالمدارس بنسبة 50%، وعادت الطاقة الكهربية ومياه الشرب إلى أقسام من مونروفيا للمرة الأولى منذ خمسة عشر عاماً، فضلاً عن ذلك فقد اجتمع شمل العائلات، ومن المفيد أن ترى هذه السيدة أن بلدها ليبيريا تجسد الأمل الناشئ في إفريقيا.
وفي الفلبين ورغم أنها ليست المرأة الأولى التي تعتلي رأس الهرم السياسي في البلاد إلا أن «جلوريا اورويو» استطاعت أن تثبت وبجدارة أنها المرأة التي تعرف متى تنحني للعاصفة دون أن تكسر ورغم خلفيتها الأسرية الريفية البسيطة.
والتي افتخرت بكونها ابنة «الغسالات» استطاعت أن تكسب أهم معاركها الشعبية بإصدارها قرار انسحاب القوات الفلبينية من العراق لإنقاذ مواطنها المخطوف «ديلا كروز» ضاربة بعرض الحائط التهديدات الأميركية بقطع المعونات وغيرها من العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها البلاد، ولعل أهم هذه المخاوف إسقاط «اورويو» نفسها.
أما في الهند ولأول مرة منذ استقلالها قبل حوالي 60 عاما انتخبت المحامية «براتيبا باتيل» 72 سنة كأول امرأة رئيسة لها وفازت بمنصب الرئاسة بعد معركة انتخابية ساخنة، هزم فيها حزب المؤتمر الحاكم وحلفاؤه مرشح حزب بهاراتيا جاناتا نائب الرئيس الحالي «بايرون سينغ شيخاوات».
ولعل هذه الخطوة ساهمت من وجهة نظر الكثيرين في مكافحة التمييز الذي تعاني منه النساء في الهند ورغم أن منصب الرئيس يعد منصبا شرفيا من الناحية التنفيذية، إلاّ أنها ستكون القائد الأعلى للقوات المسلحة وهذا في حد ذاته يعكس مدى المكانة الرفيعة التي يمكن أن تحققها المرأة الهندية.
وفيما يتعلق بأقوى نساء العالم لعام 2007، تربعت على القمة بجدارة للسنة الثانية على التوالي المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» وذلك حسب تصنيف مجلة «فوربس الأميركية» التي ابتكرت منذ أربعة أعوام تصنيفا جديدا لأقوى مائة امرأة في العالم في إطار إدراكها لتصاعد نفوذ وقوة المرأة بشكل مكثف في السنوات الأخيرة.
وحسب ما جاء في عدة استطلاعات للرأي فإن «ميركل» سيدة العالم لهذا العام، امرأة تعشق الرقم 1، لهذا تجتهد دائماً في الصعود إلى القمة، وقد وصلت إلى منصبها في نوفمبر عام 2005، لتكون أول سيدة وأول مواطنة من ألمانيا الشرقية (بعد الوحدة الألمانية) تتولى هذا المنصب.
وهي ابنة روحية للمستشار الألماني الأشهر هلموت كول، الذي عينها وزيرة لشؤون المرأة والشباب في حكومته ولا تزال «انجيلا ميركل» زعيمة الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا تتولى منصب المستشارية الألمانية.
ورغم أن هناك أربع عشرة امرأة تتولى حاليا منصب رئيس البلاد أو رئيس الوزراء في العالم، إلا أن نصيب الوطن العربي لا يزال غير معبر عن مكانة المرأة ومساهمتها في ميدان التنمية، وان كانت هناك بعض الأسماء التي لمعت بصفتها وزيرة أو نائبة إلا أن منصب نائب الرئيس هو ارفع منصب وصلت إليه المرأة والتي تشغره الآن «نجاح العطار» كأول نائبة رئيس ليس في تاريخ سوريا ولكن في تاريخ العرب السياسي المعاصر، فمتى يحين الوقت كي نفخر بسلطاناتنا نحن أيضاً؟
كاتبة إماراتية