أصبح من شبه المؤكد أن تنفذ تركيا عملية عسكرية في شمال العراق، بسبب العمليات التي نفذها حزب العمال الكردستاني في تركيا انطلاقاً من المنطقة. وقبل فترة وافق البرلمان على مذكرة قدمتها الحكومة للحصول على الضوء الأخضر لسنة واحدة لشن غارة، أو عدة غارات، في شمال العراق بتأييد 526 نائباً من اصل 550 في حين صوت 19 نائباً ضد هذا الإجراء.

وجاء في المذكرة أن الحكومة ستحدد توقيت العملية وهدفها عدد القوات المشاركة فيها. كما أكدت المذكرة على احترام وحدة الأراضي العراقية مشددة على أن أي عمل عسكري سيستهدف فقط انفصاليي حزب العمال الكردستاني الذي تتهمه أنقرة باستخدام شمال العراق قاعدة خلفية لتنفيذ عمليات في الأراضي التركية. وهناك في الوقت الراهن 140 ألف جندي تركي يحتشدون على الحدود لاجتياح أجزاء من المناطق الشمالية العراقية.

ويبدو من سياق الأحداث أن العملية العسكرية التركية أصبحت واقعا، وأنها سوف تتم في وقت قريب يتعلق بالتوقيت الذي تفضله المؤسسة العسكرية التركية لها وهذا الأمر يتوقف على عوامل مناخية أكثر منه على عوامل سياسية .

ولكن لابد من الإشارة إلى أمر غاية في الأهمية وهو يتعلق بحدود العملية العسكرية، لأنها تتعلق بجوانب سياسية أكثر مما تتعلق بجوانب عسكرية وتتخذ من قبل الحكومة وليس من قبل الجيش وبالتالي فهو قرار سياسي وليس قرارا عسكريا ويخضع بالتالي لتوازنات ومحددات سياسية متعددة .

وإذا ما تمت العملية العسكرية التركية في شمال العراق، فهذه لن تكون المرة الأولى التي تقوم فيها تركيا باجتياح المناطق الشمالية العراقية. فمنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي وهي تقوم بمثل هذه الاجتياحات، تحت ستار «المطاردة الساخنة» ضد عناصر مقاتلي «حزب العمال» الكردستاني.

وكانت مثل هذه المطاردات تحظى في الماضي بمباركة من حكومة صدام حسين، خاصة حين كان العراق غارقاً في حربه ضد إيران، وكان بحاجة لتخفيف ضغط الأكراد عليه في جبهته الشمالية.

ولكنها الآن لا تحظى بنفس الموقف حيث تعترض الحكومة الكردية في شمال العراق عليها كما تعترض أيضا الحكومة المركزية العراقية، فضلا عن هناك قوى أخرى لن تكون راضية عليها، الأمر الذي يعني ان المحددات السياسية سوف تكون هي الغالبة عند اتخاذ القرار.

ويمكن القول إن أمام تركيا خياران فيما يتعلق بالعملية العسكرية المتوقعة في شمال العراق، الأول هو الاجتياح الشامل للمنطقة ولكن هذا الخيار سوف تكون تكاليفه السياسية باهظة، فضلا بالطبع عن التكاليف العسكرية له .

وهذا الخيار لا يرضي الولايات المتحدة الأميركية باعتباره سوف يسبب لها ارتباكا في حساباتها العراقية وهو يمكن أن يسبب بالتالي أزمة كبيرة بين تركيا وحليفتها الدولية الرئيسة، إضافة إلى ذلك انه يمكن أن يحدث رد فعل غير جيد لدى الاتحاد الاوروبي الذي يوجد به لوبي كردي لا يستهان به، أي أن تركيا يمكن أن تقفد جزءا كبيرا من نفوذها الدولي إذا لجأت إلى خيار العملية العسكرية الشاملة.

وإضافة إلى التداعيات الدولية فان مثل هذا الخيار سيؤدي إلى توتر العلاقة بين تركيا والعراق بالنظر إلى الدور المركزي الذي يلعبه الأكراد في السياسة العراقية حاليا، وهذا الأمر يعني أن علاقات تركيا بالمنطقة المحيطة بها سوف تظل متوترة لفترة من الوقت.

أما الخيار الثاني المتاح أمام تركيا فهو العملية العسكرية المحدودة التي تعتمد على توجيه ضربات قاسية لعناصر حزب العمال الكردستاني الموجودة في شمال العراق، وهذا الخيار يتطلب أن تتوفر لدى تركيا معلومات مؤكدة عما إذا كانت توجد معسكرات لهذا الحزب في شمال العراق وتوجيه الضربة لها فقط .

وهذا الخيار قد يكون مقبولا بتحفظات من قبل الدول الغربية وان كانت ستصدر بيانات إدانة له على أساس انه يؤدي إلى زيادة التوتر في المنطقة، لكن هذا الموقف سيقتصر على المواقف الخطابية فقط من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي ولكن العلاقة فيما بينها وبين تركيا لن تهتز مثلما يمكن أن يحدث في حال اللجوء إلى الخيار الأول.

الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحدث في حال اللجوء إلى العملية العسكرية المحدودة ضد عناصر ومعسكرات حزب العمال الكردستاني ان وجدت هو توتر العلاقة بين تركيا والعراق خاصة حكومة شمال العراق وهذا الأمر يمكن أن تكون له تداعيات سلبية على العلاقة المستقبلية بين العراق وتركيا خاصة إذا ما تم تطبيق الفيدرالية واستطاع أكراد العراق أن ينعموا بقدر كبير من الحكم الذاتي.

وفي هذه الحالة ستكون العلاقة بين الجانبين على قدر كبير من التوتر بما لا يمكن معه تصور قيام علاقة طبيعية وهادئة بين الجانبين، بما سيجعل من منطقة شمال العراق مثل الشوكة في حلق تركيا فترة ليست قصيرة من الوقت.

وخلاصة الأمر أن تركيا تستطيع من خلال الخيار الثاني أن توجه ضربة قاسية وقاصمة لحزب العمال الكردستاني، بما يغل يده عن القيام بعمليات ضد تركيا لفترة طويلة من الوقت، لكنها في نفس الوقت سوف تخسر تعاطف أكراد العراق وهم جيرانها الجدد لفترة أطول من الوقت.

وقد يشكل هذا الأمر فرصة لكي يقدم أكراد العراق دعمهم لأشقائهم من أكراد تركيا بصورة علنية الأمر الذي يعني أن علاقات تركيا ستكون في غاية السوء بجيرانها ويعني أيضا أن العمليات التركية في شمال العراق سوف تكون عمليات مستمرة ودورية وليست عملية واحدة فقط ستنفذ ويغلق بها الملف تماما لفترة طويلة من الوقت.

أما إذا لجأت تركيا للخيار الأول الخاص بالعملية العسكرية الشاملة فذلك سيؤدي إلى تحطيم البنية الأساسية للدولة الكردية في شمال العراق بما يجعل من تأسيس الدولة أمرا مشكوكاً فيه أو يجعل من الدولة الناشئة ضعيفة لا تستطيع أن تقدم عونا لأكراد تركيا لفترة طويلة من الوقت، أي أن المكاسب العسكرية لتركيا من هذا الخيار ستكون أكثر لكن خسائرها السياسية ستكون اشد.

وبالتالي فان الاختيار بين البديلين بالنسبة لتركيا لن يكون سهلا ويتطلب حساب المكسب والخسارة بصورة دقيقة ثم تنفيذ العملية بعد ذلك وهو ما يعني أن موقف تركيا لا يقل حساسية عن موقف الأكراد وان بدا الموقف غير ذلك تماما.

كاتب مصري