ماذا يحدث في دولة الإمارات وعلى أرض دولة الإمارات منذ 15 سنة فقط؟
ما هذا التسارع الخطير في قطع المسافة بين الأمس والحاضر والغد؟
ما الذي يدفعنا إلى مثل هذه العجلة غير المقيدة بهدف اللحاق بدول العالم المتقدم (عمرانياً) منذ قرون؟
أصبحنا نتحدث عن مدننا بأنها في طور أن تصبح عن قريب مشابهة لسنغافورة ونيويورك وسيدني، نحن طموحون جداً، ونحن جميعاً مؤمنون بالتقدم والحضارة والعولمة وغيرها من المصطلحات التي تهيمن على أفكارنا منذ فترة قريبة،
ونحن لا يمكن لنا إلا أن نقف بكل قوتنا لدعم هذا التقدم الحضاري في كل اتجاهاته المختلفة: الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعمرانية. ولا أحد يحق له أن يعرقل عجلة التمدن والتحضر على بلد يملك كل مقومات التحضر.
ولكن... بأي سرعة؟ وبأي ثمن؟ وعلى حساب ماذا؟ ومن يقرر كل ذلك؟
بالطبع أصبح علينا من المستحيل العودة للخلف إلى 40 سنة خلت، من المستحيل العودة إلى شرب مياه الآبار الارتوازية، والعيش على صيد السمك واللؤلؤ، وتشييد بيوتنا من سعف النخيل، والترحال على الجمال. لقد وضعنا أقدامنا في مسيرة التطور ولا يمكن لأحد أن يردنا إلى الخلف. لقد دفعنا ثمناً باهظاً للوصول إلى ما وصلنا إليه وتضحية ما بعدها تضحية لتحقيق أحلامنا وأحلام أطفالنا بحياة مليئة بالرفاهية.
ولكن... وهناك ألف لكن ولكن تفرض نفسها اليوم أكثر من أي وقت مضى. تفرض نفسها على المسؤول الإداري والمثقف ورجل الشارع وأطفال المدارس وحتى على عمال القمامة. نعم، نحن قررنا أن نقطع مسافة الألف ميل بخطوة أولى، لكننا نسينا أن نضبط عداد السرعة،
وضغطنا على دواسة البنزين بكل ما نملك من قوة لقطع مسافة الألف ميل في أقل من خمس دقائق! الهدف؟ أن نسابق الزمن والبشر الذين سبقونا بمئات السنين. وأصبحنا نتصرف تماماً كذلك الرجل الذي أراد أن يتناول مئة قرص من الدواء في جرعة واحدة ليشفى في وقت أسرع. والنتيجة أنه عرض نفسه وحياته للخطر.
فجأة أصبحنا نملك شوارع لا يوجد شبيهاً لها لا في سنغافورة ولا في نيويورك ولا سيدني ولا باريس، وناطحات سحاب تعد أعلى ناطحات سحاب في العالم، وشركات تعمل ليل نهار دون انقطاع، ومصانع استهلاكية تبث غازاتها وأدخنتها في كل اتجاهات الرياح.
حققنا أرباحاً خيالية، وامتلأت المصارف الأجنبية العاملة بالدولة بالأصفار التي يصعب على الحاسبات الآلية أن تفهمها، وأصبح لدينا كما لدى الغربيين مليارديرية وملتي مليونيرية وأصبحنا نتحدث عن صفقات بالمليارات اللامتناهية ولم نعد نقنع إلا بقيادة أفخم السيارات التي نجلبها بأعداد تفوق الخيال من ألمانيا واليابان وكوريا
وحيث يكون سعر لوحتها الرقمية فقط أغلى من سعر المركبة نفسها بعشرات المرات، وتعودنا أن نتناول في اليوم الواحد أكثر من صنف واحد من الأطباق الهندية والصينية والفرنسية والإيطالية والأميركية والتايلاندية. أصبحت جامعاتنا تنافس حتى الجامعات الأميركية في استخدام اللغة الإنجليزية كلغة تلقين وتخاطب وتواصل.
وولد جيل قبل عشرين سنة فقط لم يعرف شيئاً عن تاريخ منطقته سوى أنها كانت فقيرة جداً، وأن أبويه كانا يستحمان بمياه مالحة، لكنه يحفظ عن ظهر قلب كافة أسماء الممثلين والمطربين الغربيين، ويبحث بعناء عن قميص يحمل حروفاً أجنبية، لتجعله يشعر في عالم الوهم بأهميته وانتمائه للعالم المتحضر.
كل ذلك وأكثر من ذلك حدث على هذه الأرض الصغيرة. ولم يفكر أحد بأننا أصبحنا نطير بسرعة فائقة نحو الشمس كما طار إيكاروس في الأسطورة اليونانية بأجنحة مصنوعة من الشمع، ولم ينصت إلى صراخ أبيه ديدالوس بعدم الاقتراب بهذه السرعة من وهج الشمس كيلا تذوب أجنحته ويسقط.
وهذا ما حصل للابن المسكين: وسقط في البحر الذي سمي باسمه حتى اليوم. ترى كيف نحافظ على هذه المعادلة الصعبة: التطور والأصالة، الوطن والتقدم؟. نحن تطورنا دون أدنى شك، ولكن أين الوطن؟ أين الهوية؟ أين البيئة؟ أين اللغة؟ أين الوجه البدوي؟
نحن نمر في شوارعنا مبهورين بين صفين من المباني الشاهقة المتراصة المتداخلة المتكاثرة المتنافسة المتناحرة فيما بينها والتي تنبت كالفطر بين ليلة وضحاها وتقام ناطحات أخرى خلفها وأمامها وعلى جوانبها وربما فوقها بينما عملية البناء مستمرة دون توقف،
وعربات النقل الثقيلة تكاد لا تعرف اتجاهها وتملأ شوارع المدن جيئة وذهاباً أمامنا وخلفنا وعلى جوانبنا وتدوسنا على رؤوسنا وهي في طريقها تحمل الحصى والرمل والاسمنت والغبار والدخان إلى مواقع العمل.
كل شيء أصبح يجري في مدننا بسرعة تتعدى سرعة الصوت والضوء، حتى الجبال أصبحت تمر مر السحاب! كنا عن قريب جداً نهرب من المدن المزدحمة نحو المناطق الشرقية للدولة التي برغم صغرها ومساحتها المحدودة، إلا أنها تمتلك عدداً من الجبال الرائعة والنادرة المطلة على منظر البحر. ونادراً ما نجد ما يشبه هذه الجبال في دولة عربية أخرى غير دولة الإمارات،
وبدلاً من المحافظة عليها، طالتها يد التطور العمراني لتعمل فيها تكسيراً وهدماً دون رحمة. فقبل أيام مررنا على أحد الطرق المحاذية لشاطئ البحر حيث كان هناك في يوم ما جبل ما يطل على بحر العرب، وكان هذا الجبل أجمل ما في تلك المنطقة النائية عن صخب الحضارة.
وقد دهشنا أن ذلك الجبل قد اختفى من مكانه كما أخفى الساحر الأميركي اليهودي الأصل ديفيد كوبرفيلد تمثال الحرية في نيويورك! وفوجئنا بعد لحظات أن ذلك الجبل تحول إلى قطع من الحجارة مصفوفة على جانب الطريق لتنقلها المركبات الثقيلة إلى جهة غير معلومة. لقد كان المنظر أشبه برجل تم تقطيع أعضاء جسده إلى ألف قطعة وقطعة ومن ثم وضعت على جانب الطريق.
استطاع الساحر الأميركي إعادة تمثال الحرية إلى مكانه، ولكن من سيعيد هذا الجبل الذي يقدر عمره بعمر الكرة الأرضية والذي لا يقدر بثمن إلى ما كان عليه والذي أحلناه إلى قطع من الحجر الرخيص الثمن؟ ماذا سنترك لأحفادنا بعد أن مسحنا ومسخنا لغتهم وهويتهم والآن جاء دور الطبيعة التي لم ولن تسلم من يد الهدم باسم التطور والعمران ومنافسة؟
وعندما حدثني أحد الغربيين الذي عاش في دولة الإمارات لأكثر من 30 سنة عن هذا الجبل بالذات وما حل به، صرخ قائلاً: (نحن الأوروبيين نبيع إليكم أغلى أنواع معدات الهدم التي تستخدمونها لهدم طبيعتكم وهويتكم). ـ ولم أجد جواباً غير الصمت،
لأننا كلنا بشر ولا نفرق بدولة الإمارات بين مواطن وآسيوي وأوروبي وإفريقي: كلنا نعيش على أرض هذه الدولة الطيبة التي نسعى لتطويرها بأقصى سرعة. في حقيقة الأمر، نحن مسرعون جداً للإمساك بالقطار الذي يسير بسرعة خيالية، والخوف من أن لا نفقد توازننا ونسقط تحت عجلاته.
قبل يومين تناقلت وكالات الأنباء خبراً محزناً، مفاده أن جسراً قيد الإنشاء في منطقة المارينا في دبي سقط على عدد من العاملين فخلف سبعة قتلى وأكثر من خمسة وعشرين جريحاً بينهم 9 إصابتهم بليغة جداً. أياً كانت الأسباب، وأن الحادثة قضاء وقدر،
إلا أن العجلة في كل شيء هي السبب الأول والأخير: العجلة في البناء، العجلة في الإنجاز، العجلة في الحصول على عقود جديدة لبناء جسور أخرى، العجلة في صب الخرسانة، العجلة في جلب الأيدي العاملة،
العجلة في هدم الجبال الطبيعية النادرة، حتى أصبحت ال24 ساعة لا تكفي لليوم الواحد، إلى درجة أن أحدهم تمنى لو أن اليوم يصبح 36 ساعة! لقد تعددت الحوادث في تلك المنطقة المكتظة بالأبراج العالية وبالأعمال الإنشائية المتواصلة ليل نهار، في منظر يجعلنا نتساءل في كل مرة نمر من أمامها: متى سنتوقف لأخذ قسط من الراحة؟
صحيح أننا نملك اليوم شوارع لا يوجد مثيل لها في العالم ولكننا وقفنا مشلولين أمام الازدحامات المرورية المؤلمة، والحلول المؤقتة لن تحل المشكلة كما نتصور لأنها تسوء يوماً بعد يوم. ولا يخفى على أحد بأننا نملك أرقى ناطحات السحاب في العالم،
ولكننا نتساءل عمن سيسكن أعدادها الهائلة والمتنامية؟ لا أحد ينكر أن السوق المحلية تعج بآلاف الشركات الخاصة التي جاءت من شتى بقاع الأرض لأخذ حصتها من الكعكة، ولكن ما هو مردود هذه الشركات على المواطن،
وهل وظفت هذه الشركات الاستثمارية مواطناً واحداً بوظيفة مدير عام عليها؟ صحيح أننا نفرض اللغات الأجنبية الإنجليزية والفرنسية على أطفالنا وأبنائنا منذ نعومة أظافرهم، ولكن أين يا ترى المساحة البائسة للغتنا في هذا المسار؟
نحن نحاول أن نكسب كل شيء وبأسرع وقت ممكن، ولكن ما نخشاه هو أن نخسر أنفسنا بأسرع من ذلك!
جامعة الإمارات