كلما اقترب موعد انعقاد المؤتمر الدولي الذي دعا بوش لانعقاده، اتضح أكثر فأكثر أن الإدارة الأميركية تعول الكثير على انعقاده، وعلى تحقيق ما يكفي من الأهداف التي تمنحه صفة النجاح.
الأحد الماضي قامت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بزيارتها الثامنة لإسرائيل والأراضي المحتلة، وأجرت لقاءات موسعة مع الجانبين، ويبدو أنها تمكنت من تبديل المزاج العام لدى الطرفين اللذين لم ينجحا حتى وصولها في صياغة جملة واحدة من الوثيقة الموعودة التي سعى الطرفان للتوصل إليها.
يوم وصولها أبدى الرئيس محمود عباس قلقاً واضحاً إزاء صعوبة المفاوضات مع الإسرائيليين ومثله رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض أحمد قريع، رغم أن كوندوليزا رايس كانت تعلن إثر لقاءاتها مع الإسرائيليين، مطالبتها أولمرت وحكومته بضرورة اتخاذ قرارات جريئة باتجاه تحقيق السلام، وأيضاً رغم أن أولمرت أعلن أنه لا يستبعد التوصل إلى اتفاق سلام قبل انتهاء ولاية بوش.
الرئيس عباس والمسؤولون الفلسطينيون لم يكونوا بعد قد وقفوا على فحوى المحادثات التي أجرتها رايس، ولكنهم في اليوم التالي، وبعد لقاءاتهم مع الوزيرة الأميركية أخذوا يكررون الحديث بلغة متفائلة عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام قبل انتهاء ولاية بوش.
وبدلاً من الحديث عن وثيقة إطار وقضايا الحل الدائم، أخذوا يركزون تصريحاتهم باتجاه تحقيق مجموعة من الإجراءات التي ينتظرون من إسرائيل تنفيذها مثل تخفيف الحواجز ووقف الاستيطان، وإطلاق سراح عدد كبير من الأسرى قيل إن أولمرت يدرس طلباً فلسطينياً بشأنها.
التغيير الذي حصل في هذه الجولة للوزيرة الأميركية، وأدى إلى تغيير المزاج وتقريب وجهات النظر نسبياً يقع في النقاط التالية:
أولاً: وافقت رايس والإسرائيليون على مبدأ الجدول الزمني للمفاوضات الذي طالب به الفلسطينيون بإلحاح من واقع خشيتهم بأن ينتهي المؤتمر إلى مجرد مظاهرة سياسية دولية وبيان عام لا يغير من واقع الحال.
ولكن مقابل هذا التنازل من الجانبين الأميركي والإسرائيلي كان على الجانب الفلسطيني أن يتنازل عن السقف الزمني الذي كان يقترحه وهو ثمانية أشهر كحد أقصى بعد المؤتمر أي قبل خمسة أشهر من انتهاء ولاية الرئيس بوش.
ثانياً: نجحت رايس في إقناع الطرفين بضرورة الدخول في القضايا الملموسة وفق ما نصت عليه خارطة الطريق تتضمن بالعموميات كافة القضايا مثار الخلاف بما في ذلك إشارات واضحة أحياناً وغامضة في أحيان أخرى بشأن قضايا الحل النهائي.
الآن يترتب على كل طرف أن يجتهد في الوفاء بالالتزامات التي ترتبها خارطة الطريق على كل منهما، فيما ستكون الرباعية الدولية جهة المتابعة للحكم على مدى التزام الطرفين.
المطلب الأهم الذي يترتب على الفلسطينيين تنفيذه هو ما يتصل بمحاربة ما يسمى بالإرهاب وتفكيك بناه وملاحقة المسؤولين عنه وهو مطلب تدعي السلطة الفلسطينية أنها قامت بتنفيذه حيث صدرت مراسيم بإخراج الميليشيات والكتائب المسلحة من الشرعية، وأيضاً ينسحب الأمر على حركة حماس بسبب وبعد انقلابها العسكري في غزة. وعلى صعيد الممارسة، حزمت السلطة أمرها باتجاه تطبيق خطة أمنية لغرض الأمن في الضفة الغربية ابتداءً من نابلس أكثر المدن الفلسطينية معاناة من الفلتان الأمني وفوضى السلاح.
وفي نهاية المطاف فإن ما تقوم به السلطة في الضفة الغربية، يشكل استجابة للطلب الإسرائيلي الذي أعلنته وزيرة الخارجية تسيبي ليفني وأيدته رايس حين قالت إن ضمان الأمن الإسرائيلي ينبغي أن يكون أول الأولويات.
على الجانب الإسرائيلي ينتظر الفلسطينيون الكثير فإضافة إلى ما ذكر بشأن الحواجز، ووقف الاستيطان وتفكيك البؤر الاستيطانية والإفراج عن نحو ألفي أسير، طالب رئيس الحكومة الدكتور سلام فياض بالإفراج عنهم، بالإضافة إلى كل ذلك يترتب على إسرائيل أن تسمح بإعادة الأوضاع في الأراضي المحتلة إلى ما كانت عليه قبل 28 /9/ 2000 أي قبل الانتفاضة.
ثالثاً : تكون الوزيرة الأميركية قد حققت لإسرائيل مطلب استبعاد قرارات الشرعية الدولية، والمبادرة العربية كمرجعيات لعملية التفاوض بالإضافة إلى خارطة الطريق، التي أصبحت فعلياً ووحدها مرجعية التفاوض.
وبطبيعة الحال فإن حصر المفاوضات التحضيرية بخارطة الطريق لا يعني أن الإدارة الأميركية ستتوقف عن مجاملة العرب بالحديث عن المبادرة العربية، والتي ستكون صالحة خلال المؤتمر، لمعالجة موضوع تطبيع العلاقات العربية الإسرائيلية.
الوزيرة رايس التي استهلت زيارتها كما المرة السابقة، بتخفيض سقف التوقعات بشأن إمكانية توصل الطرفان إلى وثيقة اتفاق، أعادت صياغة المناخات العامة بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ولكن عبر قنوات وآليات مختلفة عما كانا يبحثان عنه، أو على الأقل عما كان يبحث عنه الطرف الفلسطيني.
غادرت رايس تاركة للطرفين فرصة الانصراف نحو تنفيذ كل منهما لما يترتب عليه من التزامات تنص عليها خارطة الطريق وبشكل متوازٍ وليس متوالياً، على أن تعود للمنطقة في النصف الثاني من هذا الشهر في زيارة قد تكون بحاجة إلى زيارة أخرى لبلورة اتفاق قبل حلول موعد المؤتمر.
وللمساعدة في الميدان تركت رايس مندوب الرباعية الدولية توني بلير، والمنسق الأمني الأمريكي الجنرال دايتون، وربما بعض مساعديها في الشؤون الخارجية.
نجاح زيارة رايس الثامنة للمنطقة، ستفسح أمامها المجال لمعالجة القضايا الأخرى التي تتصل بالمؤتمر من حيث موعده بالضبط، والدول المرشحة لحضوره، ونحو رفع بعض التحفظات التي تطرحها بعض دول المنطقة التي تحرص الولايات المتحدة وإسرائيل على حضورها مثل السعودية، ودول الخليج، ومصر.
على الجانب الآخر من المشهد تتباعد المسافات بين حركتي فتح وحماس، وهذه المرة لأسباب سياسية بالإضافة إلى واقع الصراع بينهما والانقسام، إذ من غير المتوقع أن يتمكن الرئيس عباس في ظل التحضيرات للمؤتمر، من إدماج حماس في العملية السياسية بينما يعتبر رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل أن المؤتمر يستهدف التغطية على حروب تنوي أميركا شنها على إيران وسوريا وحزب الله وحركته.
وفي الواقع فإن تقدم المفاوضات والتحركات على خلفية التحضير لمؤتمر الخريف، قد أدى ويؤدي إلى تعميق حالة الصراع والانقسام، حيث تسعى حركة حماس لعقد مؤتمرين في دمشق وغزة بموازاة المؤتمر الدولي، بعد أن كانت تحضر لانعقادهما في السابع من هذا الشهر، وبعد عقد جلسة غير قانونية للتشريعي في غزة بتاريخ 7 /11/ 2007، تكون قد اكتملت القسمة، حكومة في الضفة وأخرى في غزة ومجلسين تشريعيين وسلطتين قضائيتين.
وفي التاسع والعشرين من الشهر الماضي، كان أحد قيادي حركة حماس في غزة الشيخ نزار ريان قد أعلن في خطاب أمام حشد كبير من مؤيدي حركة حماس «أن الرئيس عباس سيسقط في الخريف كأوراق الشجر». وأضاف «قلنا سابقاً إننا سنصلي في المنتدى (مقر الرئاسة في غزة)، ونقول اليوم أننا سنصلي في مقر المقاطعة برام الله في الخريف المقبل».
رسالة الشيخ ريان كانت قوية ومباشرة، وتعزز ما سبق للرئيس عباس أن أعلنه من أن حركة حماس تحضر لانقلاب في الضفة، الأمر الذي ينبئ باحتدام الصراع وانتقاله بقوة إلى الضفة خصوصاً وأن الخطة الأمنية التي تنفذها حكومة الدكتور سلام فياض تستهدف من بين ما تستهدف منع وقوع انقلاب في الضفة على غرار ما وقع في غزة في يونيو الماضي.
وبغض النظر عن التصريحات المعلنة، أو الإشاعات التي تتصل بإمكانية عودة الحوار بين الفريقين، فإن تطورات العملية السياسية وما يجري من وقائع على الأرض، تنفي أن تكون الظروف قد نضجت لاستبدال لغة الصراع بين الطرفين بلغة الحوار والاتفاق والوحدة.
كاتب فلسطيني