ترددت بعض الأقاويل في الآونة الأخيرة مفادها أن موسكو تسعى لجر الولايات المتحدة لحرب في إيران، وذلك بدليل أنها ترفض الاتفاق مع الأوربيين وواشنطن على العقوبات المشددة وفي نفس الوقت تدعم إيران سياسيا وعسكريا.

وهذه الأقاويل لا يمكن القول عنها إنها واقعية أو صحيحة بل ربما تكون آتية من مصادر محددة وبسوء نية ليتلقفها البعض ويروج لها بهدف تشويه سمعة روسيا وإعاقة مصالحها وعلاقاتها مع العديد من الدول في منطقة الشرق الأوسط بقصد إظهارها غير مهتمة بأمن واستقرار المنطقة وأنها داعية حرب وليست داعية سلام.

وقد كتبت إحدى الصحف الهولندية منذ أيام نقلا عن مصدر دبلوماسي روسي (لم تحدد اسمه) يقول إن موسكو تقف وراء تصعيد حدة الموقف الإيراني بهدف جر الأميركيين لحرب جديدة في المنطقة سوف تكون النهاية للوجود العسكري الأميركي الغارق في وحل المستنقع العراقي وغير القادر على خوض حرب جديدة، وتقول الصحيفة إن هذه الحرب ستكون مفيدة لروسيا من كافة النواحي، وعلى رأسها رفع أسعار النفط والغاز اللذين يشكلان المصدر الرئيسي للدخل الروسي.

مثل هذه الأقاويل تحتوي على فهم خاطئ تماما لواقع الساحة الإقليمية ولتوازن القوى الدولية، أولا فإنه لا أحد يستطيع أن يجزم بأن الولايات المتحدة ستنهزم في الحرب مع إيران أو في أي حرب إقليمية أيا كانت مستواها، وما يحدث في العراق من الممكن أن يكون هزيمة سياسية للولايات المتحدة لكنه بالقطع ليس هزيمة عسكرية، كما أن المعلومات الواردة عن احتمال توجيه ضربة لإيران.

ومعظمها معلومات استخباراتية، تفيد أن الضربة الأميركية لإيران ستكون محدودة ومحددة الأهداف ولن تكون حربا واسعة ولا ممتدة زمنيا، وستكون حسابات هذه الضربة معدة ومحسوبة تماما وبدقة بحيث تحقق الهدف منها ولا تتجاوزه، أما التعويل على الرد الإيراني.

وما سيجلبه من كوارث وأزمات في المنطقة فهو أيضا مبالغ فيه، وذلك لسبب بسيط وهو أن الضربة ستكون محدودة ولا تستحق من إيران أن تقحم نفسها في عملية انتحارية بالرد القوي أو قصف مواقع أخرى بعيدة عن صراعها مع واشنطن.

وإلا جلب هذا لإيران مصائب وربما كوارث كبيرة لا طاقة لها بها، لأن الولايات المتحدة لن تترك الرد الإيراني بدون رد أقوى منه، ولهذا فتصور أن روسيا تريد توريط الولايات المتحدة في هزيمة أخرى أمام إيران تصور ساذج وغير واقعي.

وهناك من يتصور أن النظام الإيراني نفسه بحاجة لهذه الحرب بهدف تحسين وضعه الداخلي وتجميع الشعب الإيراني حوله، خاصة وأنه يواجه أزمات قوية في الداخل ويحتاج لمشروع قومي يلتف الشعب كله حوله.

ولهذا يصعد من حدة تمسكه ببرنامجه النووي وتخصيب اليورانيوم ويرفض التنازل، هذا الرأي مردود عليه أيضا، فلا يوجد نظام عاقل يورط نفسه في حرب مع دولة كبيرة وقوية مثل الولايات المتحدة بحجة أنه يحتاج لالتفاف شعبه حوله، لأن الهزيمة ستكون هي النتيجة الحتمية وعندها لن يقف الشعب ويلتف حول نظام مهزوم جلب له الحرب والدمار.

الواقع والمنطقي أن كلا من روسيا وإيران لا تريدان هذه الحرب وتعلمان جيدا أن نتائجها ستكون سلبية بل ربما كارثية لهما، فالحرب ستدعم الوجود العسكري الأميركي في المنطقة بحجة حماية المصالح الأميركية، وأي دعم أو تأييد روسي لإيران في حرب مثل هذه لن يدعم مصالح روسيا لا في إيران ولا في المنطقة، بل على العكس سيزيد من ابتعاد دول المنطقة عن روسيا ورفض التعامل معها لأنها وقفت وراء إشعال المنطقة ودعمت إيران في الحرب التي جلبت الدمار والخراب.

هذا في الوقت الذي تنتهج فيه روسيا نهجا جديدا تماما في سياساتها الخارجية يقوم على كسب صداقة الجميع وتفادي الصدام والنزاعات حتى لا تعود عقيدة الحرب الباردة ودعاياتها تؤثر على المصالح الروسية المنفتحة على العالم كله.

سياسة روسيا إزاء البرنامج النووي الإيراني واضحة وخالية من الغموض منذ البداية، فهي تسعى بكل جهودها لإنجاح المساعي الدبلوماسية، وتدخل في مفاوضات وحوارات طويلة مع الأوربيين والأميركيين بهدف تخفيف حدة التصعيد الذي يؤدي للصدام، كما أن روسيا وافقت من قبل على عقوبات ضد إيران، ولكنها الآن ترفض العقوبات الجديدة المشددة التي تطرحها واشنطن.

وهذا ليس دفاعا عن إيران بقدر ما هو دفاع عن المصالح الروسية ذاتها، فروسيا لها مصالح تجارية واسعة مع إيران سوف تمسها هذه العقوبات بالقطع، كما أن موسكو تخشى تماما إذا أقرت هذه العقوبات المشددة أن تحول دون رجوع طهران لمائدة المفاوضات.

الأمر الذي سيترتب عليه تصعيد النزاع أكثر مع تصميم إيران على الاستمرار في برنامجها للحصول على اليورانيوم المخصب، وهذا بالطبع سيعيد النزاع وبسرعة للدائرة الحمراء، وهي دائرة الحرب.

روسيا لها مصالح في إيران، ولكنها أيضا لها مصالح كبيرة مع الغرب سواء مع الأوربيين أو الأميركيين، وهي ليست في موقف الاختيار أو المفاضلة بين الاثنين، فاختيارها للغربيين يعني فقدانها لشريك تجاري كبير مثل إيران سوف يترتب على خسارته أيضا فقدان روسيا لمصداقيتها في الأسواق لأنها تتخلى عن شركائها وأصدقائها.

كما أن تفضيل روسيا لإيران على الغرب لن يعرض روسيا فقط لخسائر كبيرة في تعاملاتها ومصالحها مع أوروبا والولايات المتحدة بل أيضا سيعيدها لدائرة الصدام مع الغرب ويعيد أجواء الحرب الباردة التي تسعى روسيا جاهدة لإزالتها حتى تنفتح أمامها الطرق في الأسواق العالمية.

كما أن روسيا بتأييدها للحرب سوف تعرض علاقاتها مع دول المنطقة للتراجع والضعف، في الوقت الذي تبذل فيه موسكو جهودا كبيرة لفتح علاقات جديدة مع دول المنطقة وخاصة دول الخليج العربي.

القول إن روسيا لها مصلحة في ضرب إيران يهدف في الأساس الإضرار بسمعة روسيا وتشويه جهودها ومساعيها السلمية في كافة النزاعات الدائرة على الساحة الدولية، وهو الدور الذي تتطلع إليه روسيا لاستعادة مكانتها على الساحة كدولة كبيرة عانت من الانغلاق والحصار طيلة سنوات الحرب الباردة وتسعى للانفتاح على العالم كله.

وهذا الانفتاح لا يمكن أن يتحقق إلا في أجواء السلم والاستقرار، وأي حرب يكون لروسيا موقف إيجابي منها ستكون لها بالغ الأثر على سمعتها ولن تأتي لها بأية فائدة.

كاتب ومحلل سياسي روسي ــ جامعة سيبيريا