عندما فرغ فاليرى جيسكار ديستان من صياغة الدستور الاتحادي الأوروبي في أواخر 2004، شعر بغبطة شديدة. إذ تصور وفريق معاونيه من فقهاء القوانين والنظم الدستورية والإدارية الأوروبية البارزين، أنهم أكملوا مهمتهم التي عكفوا عليها لسنوات وفقاً لأفضل القياسات والمعايير الحقوقية المرضية لكل طموحات دول الاتحاد ونوازعهم وهواجسها.
كان ديستان قد بنى آمالاً كبيرة على أن يكون إقرار مشروعه المقترح الخطوة التي يذكره بها تاريخ التجربة الوحدوية الأوروبية، مرتقياً به إلى مصاف مهندسيها الأوائل وشيوخها الكبار مثل مونيه ووالترهالشتين وروبرت شومان وجون هنري سباك وشارل ديجول وبومبيدو وكلا المستشارين شميدت وكول..
وذلك جنباً إلى جنب مع كونه أحد الرؤساء الفرنسيين السابقين. لهذا كانت صدمة الرجل موجعة حين قوبل دستوره في الاستفتاء الشعبي عام 2005 بالرفض في عقر داره فرنسا بالإضافة إلى هولندة الدولة المؤسسة الأخرى في التجربة!.
والواقع أن ديستان كان محقاً في استشعاره للغضب والغيظ. غير أن أحاسيسه تلك لم تحمله على القنوط أو الضجر الذي اعترى بعض متابعي التوجه الوحدوي الأوروبي بضحالة وسطحية. لم ينشغل الرجل وجماعة الوحدويين الأوروبيين طويلاً بجزئية نتائج الاستفتاء السلبية هنا أو هناك، وإنما سلكوا طريق أصحاب الرؤى الكبرى والحس التاريخي الممتد،ملاحظين أن الخط البياني العام لتجربتهم هو صاعد وواعد ويمضى بالتأكيد في الاتجاه الصحيح رغم ما قد يشوبه من نكسات وصعوبات.
وعليه، صبر بناة الدستور الاتحادي على فشلهم في إقناع أغلبية الفرنسيين والهولنديين وفتور قطاعات أوروبية أخرى كما صبر الذين من قبلهم وصمدوا في مواجهة عقبات أخرى. وبدلاً من الانزواء والحرد راحوا يراجعون مشروعهم الدستوري مادة وفقرة فقرة، متأملين في كيفية إرضاء الرافضين والممتعضين دون انتهاك جوهر مشروعهم.
وقد استغرقت هذه العملية حولين كاملين إلى أن أثمرت اتفاقية لشبونة البديلة من دستور 2005، التي توافق عليها القادة الأوروبيون وأقروها بهدوء في الشهر الماضي وسوف توقع رسمياً في ديسمبر المقبل ويعمل بها في 2009.
إقرار الدستور الاتحادي كانت الأزمة الأكبر والأهم من بين سلسلة المعضلات التي واجهت النظام الأوروبي الإقليمي (ولعله القاري!) منذ انطلاقته الأولي قبل خمسين عاماً بالتمام والكمال. ومع ذلك فقد تعامل معها حراس التجربة ورعاتها برباطة جأش وبذات الأدوات والمداخل التي توارثوها عبر هذه الفترة الممتدة. وتقوم هذه الخبرة على منطلقات أساسية..
منها القناعة أولاً بان إشباع كل النوازع والتطلعات التي تكنها شعوب الدول الأعضاء من وراء الاتحاد غاية لا يمكن الوصول إليها، فلابد من المساومة والتوفيق. واللجوء ثانياً إلى الطرق الالتفافية تفادياً للعقبات المستعصية التي يعز التغلب عليها عاجلاً أو في الأجل القصير تفادياً لتوقف المسيرة الاتحادية أو نكوصها للوراء.
والانتباه ثالثاً إلى تباين المكانات ومحددات القوة بين الأعضاء مع الحذر من استثارة مخاوف الصغار من تغول الكبار أو ابتزازاتهم. وإشعار الشركاء جميعهم رابعاً بان لهم مصالح وأهدافا كبري لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن السياق الاتحادي، ومن ثم فإن على كل شريك إبداء بعض التنازلات على سبيل دفع الثمن لاستمرار هذا السياق وتطويره.
بشيء من الاجتهاد، نستطيع صياغة هذه المنطلقات في عبارة جامعة واحدة هي الصلابة على المبادئ التكاملية الاتحادية مع المرونة في التطبيق والأخذ بسياسة التدرج والنفس الطويل. لقد ارتقى الاتحاديون الأوروبيون، الذين كان لهم دوماً خصوم انفصاليون ومتطرفون وشوفينيون وطنيون، من جماعة محدودة تتعاون في قطاع اقتصادي واحد هو الفحم والصلب.. إلى مجموعة اقتصادية أوسع، إلى اتحاد شبه كونفيدرالى يمتد بطول القارة الأوروبية وعرضها.
وخلال المسيرة لم يتهاون صناع التجربة، لا سيما أعداء الأمس حلفاء اليوم على المحور الألماني الفرنسي، في الدأب على الانتقال من مرحلة وحدوية إلى أخرى كلما أشتد عود تجربتهم. لم يحرقوا المراحل ولا تعجلوا القطاف. لم يتخطوا خصوصيات الأعضاء التاريخية والثقافية رغم محاولتهم تطويعها لصالح صناعة تاريخ أوروبي أشمل.
لم يساووا بين غير المتساوين بزعم أن الكل في واحد ، ومن هنا كان تمايز عدد الأصوات ووزنها في البرلمان الأوروبي وبقية المؤسسات الاتحادية بين مختلف الدول الأعضاء. لكنهم أيضاً لم يبخسوا الدول المنمنمة حقها ولم يحولوا ضآلة الحجم جغرافياً وسكانياً واقتصادياً وعسكرياً إلى نقيصة توجب التجاهل والتجاوز أو قلة القيمة. واللافت بالخصوص أن عاصمة الاتحاد ومعظم مؤسساته الوازنة تقع في دول صغيرة مثل بلجيكا أو ميكروسكوبية مثل لوكسمبورج!..
كذلك تحرق الاتحاديون إلى سك العملة الموحدة، لكنهم لم يفرضوها قسراً، فظهر اليورو إلى جانب العملات الوطنية، وظل من حق الأعضاء أن يتداولوه في الوقت المناسب لهم.
بل وعندما طلب البلغاريون في مفاوضات تعديل دستور 2005 حق تسمية اليورو بلغتهم ليكون (الإيفرو) كان لهم ما أرادوا. أكثر من ذلك ارتباطا بتكتيكات المرونة والالتفاف على العقبات وإشباع جوانب من الأحانين والانحيازات الوطنية المتجذرة، أن حماة المشروع الأوروبي قبلوا نداء بعض الأعضاء بتأخير تطبيق قرارات الاتحاد التي لا يرغبون فيها أو يمتعضون منها.
حدث هذا في المفاوضات الأخيرة مع بولندا والنمسا. كذلك لم يتأفف الاتحاديون من الفتور الذي أبدته دول أعضاء كثيرة تجاه استخدام بعض الرموز الوحدوية العامة كالنشيد والعلم الموحدين، فأزاحوا هذه الخطوات مرحلياً، معتبرين أن الشكل والمظهر لا ينبغي لهما أن يؤثرا على المضمون والجوهر.
بيد أنه في مقابل هذه التكتيكات التنازلية والطأطأة المحسوبة، أصر الاتحاديون على إلغاء العشرات من حقوق النقض التي كان الأعضاء يحظون بها. نحن بصدد تجربة المرونة فيها ليست مرادفاً للميوعة والتهرب من كل الاستحقاقات الوحدوية المهمة.
من الواضح أنه بالنسبة لعامة الأوروبيين تبدو بريطانيا أولاً عند البريطانيين وفرنسا أولاً عند الفرنسيين وبولندا أولا عند البولنديين، وقل مثل ذلك عن بقية شعوب الدول السبعة والعشرين الأعضاء حتى الآن في المسيرة الاتحادية.
لكن هذه الشعوب وحكوماتها تكاد تقول بالقدر ذاته من الجدية «إننا أولاً.. وأوروبا أيضاً»!. ترى هل يعني ذلك كله شيئاً للعرب في جنوب المتوسط؟!.
كاتب وأكاديمي فلسطيني
