الغاز والخبز والدقيق والحليب المجفف والمياه المعدنية والمياه الغازية وعشرات السلع التي تم رفع أسعارها هي سيرة فوضى غياب الإجراءات في الأسواق.. ويبدو أن هذا الأمر سيستمر على ما هو عليه وسنشهد ارتفاعات مستمرة في تسعير السلع، طالما نقف هكذا متفرجين، راضخين لما يفعله التجار والباعة في الأسواق.
الغريب والذي لا يمكن فك لغزه هو سبب الارتفاعات المتوالية على السلعة نفسها، فالغاز سبق وان دخلت عليه زيادة في تسعيرته، والدقيق سبق وان تم رفعه وهذه المرة الثانية، والحليب المجفف هو الآخر يدخل الى الزيادة الثانية.. وبهذا فان أمر زيادة الأسعار ليس معناه تأثيرات الأسواق العالمية وسعر صرف العملة كما يساق لنا من حجج، وانما هو فرض السعر فرضا واقعا، وقياس مدى رضوخ الناس لها بحكم حاجتهم لمثل هذه المواد الاستهلاكية الضرورية.
وزارة الاقتصاد والتي وعدت الجميع مع بداية هذا العام بأنها ستطبق عدة إجراءات للحد من تلاعب التجار، والحد من الارتفاع العشوائي لأسعار السلع التي ما زالت محل مطالبة بفعل شيء، فيما الناس الذين صاروا يشعرون بضغط الوضع يبحثون عن مخرج لهم دون طائل.
ما الذي يجري؟ وما هو رد وزارة الاقتصاد والإدارة المختصة بهذا الأمر في أوضاع السوق المتقلبة؟ سؤالان لا يوجد لهما جواب اليوم.. فالناس شبعت وعودا وملت انتظار الفرج، فيما الرابح واللاعب الأوحد في هذا هو التاجر الذي يبحث عن أرباحه بحثا لا تحده حدود.
هناك تلاعب، وهناك استهتار وهناك تسعيرات بعيدة كل البعد عن أصولها الحقيقية.. ومن يريد المزيد في هذا الأمر فليدقق على حجم الأرباح الذي تجلبه تجارة المواد الاستهلاكية..
مئات التجار ومئات الشركات ومئات الوكلاء والتوكيلات، كلها تدر أرباحاً بالملايين ولا يوجد تاجر خسر أو انكسرت تجارته نتيجة تقلبات الأسعار أو اختلاف سعر صرف العملة، وهناك المزيد من محال البيع والأسواق تفتتح، وقطاع التجارة في هذا الجانب بالذات يحقق نجاحا كبيرا منقطع النظير.
من أين هذا؟ وكيف يتحقق هذا؟ اذا ما كان التجار يخادعوننا في أمر اضطرارهم لرفع أسعار سلعهم؟ الحقيقة في أرقام وقوائم الأرباح غير، وما يضحك به علينا وعلى ذقوننا شيء آخر.
مصيبتنا الكبرى في البلد أننا لا نمتلك من خيرات قطاعها الخاص سوى واحد بالمئة، والتسع والتسعين ممسوك ومرهون بيد الغير! هذه هي الحقيقة التي تجعل من السوق ملعب مفتوح يسرح ويمرح فيه من يشاء بمنطق او من غير منطق.
وزارة الاقتصاد ستكون مشكورة لو تعترف لنا بعجزها عن السيطرة على الأمر.. لا ان تخدرنا بكلام معسول ووعود.. على الأقل سيكون هناك شيء من الوضوح.
