مهما كان الخلاف حولها فإنه لا يختلف اثنان على أن الثورة البلشفية التي اندلعت في روسيا عام 1917 والتي مضي عليها بالأمس تسعون عاما تعد أهم حدث في القرن العشرين وتعد أيضا نقطة تحول مهمة في تاريخ العالم المعاصر.

وربما لأننا ما زلنا نعيش في أجواء الحرب الباردة رغم انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي منذ ستة عشر عاما فإننا لا نلاحظ أي اهتمام إعلامي بهذه المناسبة خشية أن يذكرها أحد بالخير عندما يقارن ما قدمه السوفييت للشعوب النامية والفقيرة وما جلبه الغرب من حروب ودمار وخراب وفقر وأمراض وإرهاب.

الثورة البلشفية لا تجد لها مكانا في كتب التاريخ في الدول العربية والإسلامية بحجة أنها ثورة إلحادية تنكر الأديان في حين تشغل الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 حيزا كبيرا في كتب التاريخ عند العرب وتدرس بالتفصيل في المدارس.

على الرغم من أن مضمون الثورتين ليس ببعيد، فكلتاهما قامتا ضد الإقطاع والملكية وكلتاهما ضد الدين أو ضد نفوذ الكنيسة، والفارق بينهما أن البلشفية قامت بها الطبقة العاملة الفقيرة أما الفرنسية فقامت بها الطبقة المتوسطة المثقفة، ونتج عن الثورة البلشفية مثلما نتج عن الفرنسية إلغاء تأثير الدين في حياة الشعوب.

لكن الثورة الفرنسية لم تدخل مثل البلشفية في صراع مع القوى الأخرى الكبيرة على الساحة الدولية بل ذهبت تتقاسم معها نصيبها من المستعمرات وخيرات الشعوب الأخرى الضعيفة، ولهذا لم تتعرض لحرب باردة ودعاية مضادة تشوهها وتشوه إنجازاتها، والغريب في الأمر أن الثورة الفرنسية التي تمثل ثقافة إحدى أكبر امبراطوريتين استعماريتين في العالم ( فرنسا وبريطانيا).

وهما اللتان عانى منهما جميع العرب والمسلمين أشد المعاناة وربما ما زالوا يعانون، هذه الثورة الفرنسية تلقى في الآداب العربية وفي كتب التعليم العربية الكثير من الإشادة والمديح ويعتبرها البعض من المثقفين العرب أنها ثورة التنوير والانفتاح الكبير للعقل البشري.

هذه الثورة التي أنتجت بعد عشرين عاما من اندلاعها الحملة الفرنسية الاستعمارية على مصر والمشرق العربي والتي (للأسف الشديد) يعتبرها الآن بعض النخبة المثقفة من العرب وخاصة في مصر أنها كانت حملة خير وتقدم وحضارة لمصر والمشرق.

وأكثر من ذلك احتفلوا بذكراها المئتين في مصر منذ تسع سنوات وبشكل رسمي ناسين أو متناسين كل ألوان وأشكال القتل والدمار والتخريب الذي حملته معها واستهدافها حتى للتاريخ والحضارة العربية والمصرية القديمة واستخفافها بالمشاعر الدينية للمسلمين.

الثورة البلشفية (الشيوعية) لم تأت للعالم بالدمار والحروب والاستعمار ونهب ثروات الشعوب، ولم تفرض أيديولوجيتها الإلحادية على الشعوب الأخرى، وأنتجت دولة سوفييتية عظمى خلقت توازنا كبيرا في موازين القوى العالمية كان بإجماع الجميع في صالح الشعوب الفقيرة والدول النامية.

ولا نعتقد الآن في ظروفنا الحالية أن أحدا من الشعوب عانى من انهيار الاتحاد السوفييتي مثلما عانت الشعوب العربية والإسلامية التي أصبحت ساحة للأطماع الإمبريالية والصهيونية العالمية ولحروبها الهمجية التي خلفت الدمار والخراب في بلادنا.

وحصدت من أرواح المسلمين والعرب فقط خلال الأعوام الخمسة الماضية ما يتجاوز المليون بخلاف أكثر من ستة ملايين آخرين من الجرحى والمشوهين والمشردين واللاجئين والأرامل والثكالى والأيتام.

أنتجت الثورة البلشفية الدولة السوفييتية العظمي التي دافعت عن قضايا الشعوب الضعيفة ومنهم العرب، وعمّرت وبَنَت وشيّدت المصانع والمدارس والسدود والطرق والمشاريع الإنمائية في العديد من دول العالم، ولم تستعمر بلدا واحدا.

وحتى أفغانستان التي يقولون انها عانت من الاحتلال السوفييتي لم يحكمها السوفييت بل حاربوا فيها من أجل حماية النظام الأفغاني الذي دعموه فيها والذي أيدته قطاعات كبيرة من الشعب الأفغاني.

وقد سمعنا مؤخرا أحد القادة الأفغان وهو يقول «لقد دمر الأميركيون كل ما بناه السوفييت عندنا من مدارس ومستشفيات ومؤسسات خدمية»، وأية دولة عربية كانت على علاقة بالاتحاد السوفييتي لا تخلو مدنها من مشاريع التعمير والبناء والتصنيع التي بناها السوفييت.

وربما تكون مصر صاحبة النصيب الأكبر بالسد العالي والمدن الصناعية الكبيرة، وكانوا وما زالوا العرب يقاومون عدوهم الإسرائيلي بالسلاح السوفييتي والروسي، وآخر المواقع كانت الحرب اللبنانية في صيف العام الماضي والتي حسمتها صواريخ الكاتيوشا الروسية.

نحن لا نريد أن يشيد العرب بالثورة البلشفية أو يعترفون بفضل السوفييت، لكننا نرى أنه من نكران الجميل وأيضا من الجهل وعدم الموضوعية أن نتعمد تغييب وطمس هذا التاريخ وإلغاءه من صفحات تاريخنا وكتبنا فقط بحجة أنهم كانوا ملحدين ينكرون الدين، وكأن الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين وغيرهم مؤمنون ومتدينون يحترمون الأديان ويعرفون الله ويراعون حرماته ومقدساته.

elmoghazy@hotmail.com