رغم أنه عمل من إبداعات الفن الدرامي.. إلا أن المسلسل الذي حمل عنوان «الملك فاروق» جاء ليثير نقاشا على صعيد أوساط ودوائر شتى - في مصر العربية بالذات - حول تناول وقائع وأحداث التاريخ وحول تصوير الشخصيات المؤثرة على مسير الأحداث ومصائر الأوطان في مختلف مراحل هذا التاريخ.
ورغم أن أعمال الدراما المعروضة في ميديا الإعلام المرئي أو المسموع.. أو على شاشة السينما هي في التحليل الأخير ضرب من الوهم.. اللذيذ كما قد نسميه..
إلا أن اتكاء الكاتب الدرامي على ما احتوته حقبة تاريخية معينة لابد وأن يتبع أصول المهنة من حيث اتساق المنطق بشكل عام بين الواقعة المسجلة في حوليات الزمن وبين الواقع الافتراضي (Virtual) الذي تجسده خيوط الحكي التي تجدلها قريحة الفنان الذي يتصدى لإبداع هذا العمل كي يقدمه من بعد الى جمهور المتلقين..
وثمة قاعدة كلاسيكية تحذر في هذا المضمار من آفة يطلق عليها أهل الصنعة مصطلح (المفارقة الزمنية) - المجافاة التاريخية (Anachronism) محذرين بداهة من أن يشاهد رواد المسرح الشكسبيري مثلا.. مثلا شخصية عطيل الشهيرة وقد ظهر في بعضهم البطل التراجيدي الأسمر أحدث موديل من ساعات اليد السويسرية الصنع!
مع هذا كله فمن حق مبدع العمل الدرامي، بقدر ما أنه من حق الدارس الأكاديمي للتاريخ أن يتناول الأحداث.. والشخصيات التاريخية بالذات من زاوية رؤيته الخاصة وعلى ضوء أحكامه الشخصية ومن منظور فهمه وتفسيره الشخصي لتلك الأحداث والشخصيات.
ومن خلال تعدد هذه الرؤى وتباين تلك التفسيرات يستمد السياق التاريخي للأمة معينا من الثراء الفكري وروافد لها قيمتها وجدواها من التجديد المتواصل.
وبالنسبة للشخصيات التي اضطلعت بأدوار على مسرح الأحداث.. يظل من المفيد معاودة النظر في أدوارها وفي مواضع إنجازاتها ومكامن أخطائها.. وتلك هي الدروس المستفادة التي ينبغي أن تتعلمها الأجيال الطالعة وهي دروس يمكن أن نجملها في عبارة محورية هي:
؟ «أنسنة التاريخ» بمعنى أن مسيرة البشر عبر تاريخهم لا تحوي أنصاف آلهة معصومين بقدر ما أنها لا تحوي أبالسة على طول الخط أو شياطين: يظل البشر معرضين لكل نوازع الخطأ وكل إيجابيات الصواب.. وقصاراهم أن يجتهدوا بقدر ما فطروا عليه من إمكانات ومواهب وقدرات.
ولعل أبلغ ما يملكه البشر في هذا الخصوص هو تَواصُل التجربة الإنسانية عبر اختلاف العصور والأجيال وبحيث تشكل هذه التجارب إضافات الى خبرة الناس بالحياة وبحيث تصبح هذه الخبرة أداة في يد الناس كي تقيهم من مغبّة العثرات وفداحة الأخطاء.
نحن نقرأ في تراثنا العربي تحليلا لشخصية تاريخية في حجم معاوية بن أبي سفيان.. وقد نطالع تحليلا لجوانب سلبية في حياة هذه الشخصية وخاصة حين عمل على تحويل خلافة المسلمين الى «مُلك عضود» على نحو ما يعبر المؤرخون.
وقد نطالع أيضا تحليلا عند الضفة الأخرى من نهر المعادلة فإذا بنا نحمد ونؤسس الحكم الأموي مقدرته في مضمار السياسة وحفاظه على فتوحات المسلمين في حروب التحرير الروحية التي خاضوها بين المشرق والمغرب وقدراته على إرساء لبنات دولة مؤسسية تضم دواوين ونظما بيروقراطية وتعتمد في أغلب معاملاتها عملة نقدية إضافة الى العربية لغة رسمية على مستوى الحاكمين والمحكومين.
الأحكام في هذا السياق تصدر عن روح إنساني يدرك أن البشر لهم سلبياتهم وإيجابياتهم.. منجزاتهم وأخطاؤهم.. حسناتهم وسيئاتهم..
وأن مناط الحكم التاريخي يتعلق أساسا بالموازنة بين الإيجابيات والسلبيات، وهي موازنة لا تنقطع على صعيد أمم وحضارات وثقافات أخرى في زماننا.. ألا ترى الى عدونا الصهيوني وقد نبغ بين ظهرانيه في إسرائيل ما أصبح يعرف باسم «مدرسة المؤرخين الجدد» ومعظمهم أكاديميون يعملون في الجامعات ومراكز البحث العلمي في إسرائيل وخارجها..
وقد راعهم سيول الأكاذيب التي صاحبت إنشاء الكيان الإسرائيلي الإمبريالي في قلب الأرض العربية فكان أن تصدى بعضهم لإعادة كتابة، بمعنى تمحيص وتصحيح ومراجعة الرواية الرسمية الصهيونية التي صورت إنشاء إسرائيل ملاذا لليهود المضطهدين وعلى أنقاض أو أطلال الوجود العربي الذي هرب أفراده من أهل فلسطين في غمار أحداث 1948 أو باع بعضهم أراضيه لصالح الاحتكارات اليهودية والمصالح الصهيونية.. الخ.
هنالك كتب مؤرخون جدد من أمثال بني موريس (صدرت مؤخرا ترجمة لكتابه بعنوان: «تصحيح خطأ») ووأفيه شلايم صاحب كتاب «الجدار الحديدي» والبروفيسور إبلان الذي أصدر دراسته مؤخرا عن «التطهير العرقي ضد الفلسطينيين».
وهذه النخبة من المؤرخين الجدد ينجزون دراساتهم مستعينين بالمصادر والمستندات التي أزيل عنها مؤخرا أستار السرية لكي يوضحوا مدى زيف الرواية «الرسمية» الإسرائيلية مؤكدين أن الذي تم هو ببساطة (سرقة وطن) على حد تعبير الأستاذ «مايكل بالومبو».
وأن عرب فلسطين 1948 تعرضوا لأبشع أنواع الإرهاب المنظم على يد العصابات الصهيونية، وأن حكاية بيع الأراضي إنما تدخل في باب أكاذيب الافتراء وإلا لما استشهد ولا يزال يستشهد أبناء فلسطين دفاعا عن أرض الوطن الذي ينتمون إليه. وهذا هو نابليون بونابرت..
حَكَم فرنسا قنصلا وإمبراطورا منذ أكثر من 200 سنة وشن حملته الشهيرة على مصر باسم «حملة الشرق» منذ 199 سنة على وجه التحديد.. ورحل عن دنيا الأحياء في عام 1815.. ومع هذا كله فلا تزال ماكينة الدرس والتحليل ومعاودة البحث وتجدد التحليل دائرة بشأن هذا القائد الفرنسي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس على مدار 25 عاما بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر..
لدرجة أن يشهد صيف عام 2007 الحالي صدور كتاب المؤرخ جوان كول الأستاذ بجامعة متشغن بالولايات المتحدة بعنوان «مصر - نابليون: غزو الشرق الأوسط» حيث يضع المؤلف حملة نابليون مصر ضمن إطار المواجهة المحتدمة بين الشرق والغرب تلك التي كانت قد اندلعت مع الحروب الصليبية في بداية العصر الوسيط.
وفي غمار الأحاديث المؤسية بشأن فيدرالية العراق ومغبة تقسيم هذا البلد العربي الشقيق.. تستأنف ماكينة المراجعة التاريخية التي أشرنا غليها دورانها كي تسترجع الدور التاريخي الذي لعبته الآنسة «غرترود بِل».
وقد كانت مندوبة بريطانيا الاستعمارية أو عميلتها في أرض الرافدين، بقدر ما كان الكولونيل لورنس «إياه» هو مندوب وزارة المستعمرات البريطانية في صحارى شبه الجزيرة العربية.
في هذا الصدد أيضا يصدر أحدث أعداد مجلة «نيويورك - ريفيو» المعنية بعرض ونقد الكتب (بتاريخ 25/10) وقد احتوى مقالا ضافيا للكاتب روي ستيوارت يعرض فيه بالنقد والتحليل لخمسة كتب..
نعم خمسة كتب صادرة مؤخرا في انجلترا وأميركا عن «المس بِل» ودورها سلبا وإيجابا.. درسا وتقييما في تشكيل بنية الدولة في العراق الحديث منذ عام 1920.. وقد نلاحظ في هذا السياق بالذات أن الأستاذ روي ستيوارت اختار لمقاله عنوانا له دلالته يقول:
«ملكة المستنقع»
والكاتب يلمح في هذا العنوان الى أن ساحة العراق تحولت الى فيتنام التي دأبوا على وصف حلبتها بكلمة «مستنقع» كناية على مدى الورطة، الفادحة.. الى حد كارثي باهظ التكاليف بالنسبة للولايات المتحدة، يصدق الشيء نفسه على الزعيم الروسي الشهير جوزيف ستالين (1879 - 1953).
فبعد رحيله لاحقته في حقبة خروشوف وما بعدها.. وربما الى آخر رمق من حياة الكيان السوفييتي الذي تداعى ثم انهار مع مقتبل التسعينات إدانات الديكتاتورية الدموية والوحشية وخاصة في معاملة المعارضين أو المنشقين.
وبلغ الأمر أن نقلوا رفاته من بانثيون عظماء روسيا الى قبر أكثر تواضعا وانزواء.. ولكن ثمة شعور راهن يحاول إعادة الاعتبار الى ستالين بوصفه الرجل الذي قاد روسيا مع الربع الثاني من القرن العشرين الى التصنيع الثقيل والى الصمود ومن ثم الانتصار على ألمانيا الهتلرية والى دخول بل اقتحام النادي الذري منافسا لأميركا ومن ثم الى إقرار دور روسيا ومكانتها كعضو دائم في مجلس الأمن. ثمة مراجعات أخرى تدور في مناطق شتى من عالمنا..
ما بين الصين في أقصى الشرق التي تعاود دراستها لدور زعيمها ماوتسي تونغ والى أميركا اللاتينية في أقصى الغرب حيث بدأت تظهر دراسات تحاول مراجعة وأحيانا تحجيم السيرة - الأسطورية المرتبطة بالزعيم اللاتيني تشي جيفارا..
هنا قد تختلف الدوافع بين موضوعية الدرس الأكاديمي النزيه واحترام التماس الحقيقية.. وبين محاولات التشويه المغرض أو الثأر التاريخي من الراحلين.. ومع هذا كله فمن جهود التصحيح الى مؤامرات التشويه.. تدور حركة التفكير والبحث والتقويم والتحليل.. أما القارئ المثقف هو المستفيد في كل حال.
كاتب مصري