يحدث أحيانا أن نبتعد من أجل الوصول إلى شيء، فنكتشف بعد ذلك أنه كان أقرب إلينا مما كنا نتوقع، فنتفاجأ لعدم توقعنا ذلك.
هذا ما يحدث في كثير من الأحيان حين نبحث عن معلومة ما فنتفاجأ ونحن نرى أن وجهتنا كانت في اتجاه معاكس للاتجاه الذي صارت إليه نتيجة عملية البحث، خصوصا حين نكتشف أن عملية البحث في جعبة الآخر تعيدنا إلى جعبتنا الخاصة، التراثية على وجه التحديد، وهو ما لا يكون متوقعا قبل بدء عملية البحث إطلاقا.
قبل أيام وقع بين يدي كتاب أعترف بأنني أطّلع عليه للمرة الأولى، ولكن فكرته كانت ماثلة في ذهني قبل أن أراه لأنني قرأت عنه في بعض المراجع من قبل، ولم أتمكن من الحصول عليه فعلا إلا مؤخرا.
عنوان الكتاب هو (عنوان الشرف الوافي في علم الفقه والعروض والتاريخ والنحو والقوافي)، وهو كما هو واضح من عنوانه يتناول علوما مختلفة، ولا يبدو هذا غريبا إلى الآن، ولكن الغرابة تكمن في طريقة بنائه، إذ إن لهذا الكتاب بنية تختلف عن الطريقة التقليدية للكتب التي تجمع بين دفّتيْها علوما مختلفة.
فهو لا يبدأ بالكلام على الفقه في الفصل الأول، ثم ينتقل إلى العروض في الفصل الثاني، وهكذا دواليك، بل يعتمد تقنية بديعة في البناء، لم تكن مألوفة كثيرا في ذلك الوقت، لكنها كانت موجودة، وذلك بأن يعتمد على تنوع الألوان وتعددها في كتابة الموضوعات المختلفة في الصفحة الواحدة.
بنية الصفحة عبارة عن أقواس ملونة بخمسة ألوان مختلفة، كل لون منها يمثل علما من العلوم المذكورة في عنوان الكتاب؛ فمتن الكتاب الأصلي المكتوب بالخط الأسود على خلفية بيضاء هو مادة الفقه على المذهب الشافعي.
وقد حمّل المؤلف هذا المتن الفقهي أربع رسائل جعل كلا منها بلون يميزها كما يقول المحقق، فرسالة علم العروض باللون الأخضر الفاتح، ورسالة التاريخ باللون الأصفر، ورسالة النحو باللون البرتقالي، ورسالة علوم القافية باللون الكركمي (أو الأصفر الداكن).
والمميز في هذا البناء أن نصوص علومه المختلفة تتقاطع، وأن الكلمات لا تتكرر، فهو يستعمل الكلمات ذاتها أفقيا وعموديا، مما يجعله مختلفا كليا عن أي نمط آخر من أنماط التأليف التي كانت سائدة في ذلك الوقت، أو التي سادت بعده، لأنه على الرغم من وجود بعض المؤلَّفات التي ظهرت مقتدية بهدي إسماعيل بن أبي بكر المقرئ ـ وهو مؤلف هذا الكتاب ـ في مؤلَّفه المميز.
إلا أن صعوبة وضع مثل هذا النوع من الكتب حالت دون ظهور الكثير منها، خصوصا في ذلك الوقت ـ القرن التاسع الهجري ـ حيث كان الجهد ذاتيا خالصا، دون الاستعانة بأجهزة الحواسيب التي تسهل الكثير من الصعوبات في وقتنا الحالي.
أما السياق الذي قادني إلى هذا الكتاب فيمثل ما أشرتُ إليه في بداية حديثي، إذ كنت أبحث في المراجع العربية والأجنبية الحديثة عن معلومة تهمني تتناول مصطلح حديثا جدا يظهر أمامي بين حين وآخر، وهو منتشر الاستخدام في الدراسات الغربية، وكذلك أصبح في كثير من الدراسات العربية.
وتوجد إشارات تاريخية بسيطة عنه عربيا، يشير عدد منها إلى أن له أصولا في تراثنا العربي القديم، فبدأت البحث عنه فيه، وقضيتُ وقتا طويلا وأنا أبحث عن بدايات ظهوره على مستوى الاستخدام لا على مستوى التنظير فوصلت إلى هذا الكتاب الذي يحتاج فعلا إلى أن نوليه اهتماما أكبر.
لأن طريقة بنائه تكشف عن المستوى العقلي والفكري للعلماء والأدباء في ذلك الوقت، وهذا يعني أن كتبنا ومصادرنا التراثية تحتاج منا إلى الكثير من الاهتمام لأننا لا بد أن نجد فيها معلومات لا يمكن أن نتوقعها في المجالات المعرفية المختلفة.
واضح الآن أنني لم أذكر كتاب (عنوان الشرف الوافي) هنا للتعريف به، على الرغم من أن مجرد التعريف به يعد ضروريا لأننا نجهل ما هو موجود في خزانة تراثنا، ونحن في زمن تأكدت فيه أهمية التسلح بالمعرفة.
فمن باب أولى أن يعرف المرء تراثه قبل أن يقبل على معرفة ما عند الآخرين، لكني أذكر الكتاب هنا لأشير إلى أننا كثيرا ما نبتعد لنبحث عن المعرفة، لكنها أحيانا تكون قريبة جدا منا، ولا تحتاج إلى أكثر من مجرد الوقوف بين الرفوف، والتنقيب في الكتب، والصبر على الساعات الطوال التي تنقضي ونحن نفتح كتابا ونغلقه دون أن نشعر أننا وقفنا على معلومة مهمة.
إلا أننا لا بد أن نجدها في أي تخصص كان، والمهم هو كيفية استثمارنا لها بعد أن نجدها، إذ لا يجب أن نكتفي بمجرد العثور عليها وإثبات أن شيئا مما وصل إليه الغرب حديثا له أصول في تراثنا العربي القديم، فهذا دور مملول سئمنا منه كما سئم هو منا.
ولكن الواجب علينا هو التفكير بعمق في كيفية تطوير هذا الأصل المعرفي العربي، والبناء عليه باستخدام أدوات العصر ومعطياته لنقدم نتاجا يواكب العصر الذي نعيشه، وهو الطريق الذي يساعدنا لتقديم نتاج يسبق عصرنا في يوم أرجو أن يكون قريبا.
واستمرار البحث في أمهات الكتب العربية التراثية لا بد أن يقود الباحث فيها إلى ما لا يتوقعه، والأفكار التي قد تتفتق عنها الأذهان بمجرد معايشة تلك الكتب والتنقيب فيها غير قابلة للتحديد، لكن المهم هو أن تجد تلك الكتب أنامل تقلب صفحاتها، وعيونا تقلب النظر فيها.
وفي ضوء الاهتمام الشديد بالمعرفة في هذا العصر على المستوى العالمي، وتنامي الإحساس بأهميتها عربيا من خلال إقامة عدة فعاليات تؤكد التوجه نحو بوابة المعرفة، لا بد أن نؤكد أن المعرفة ليست محصورة في ثقافة دون ثقافة.
ولا في شعب دون آخر، وإذا كان الغرب يمتلك الكثير من المداخل المعرفية في هذا الوقت فإن هذا لا يعني انعدامها عندنا على نحو مطلق، لذلك فإنني أرى ضرورة التوجه للمعرفة في الثقافات المختلفة، وعدم التركيز على ثقافة واحدة دون غيرها، ولعل الثقافة العربية التراثية تحتاج إلى عناية خاصة منا، كي نتمكن من الوصول إلى شيء خاص بنا.
وإذا كنتُ قد أشرتُ مرارا إلى ضرورة إقامة مراكز للبحث في دولة الإمارات، فإنني ما أزال أؤكد على أهمية هذا التوجه، لأننا نمتلك الكثير من المؤهلات التي تساعدنا على أن نتبوأ مكانة مميزة في مجالات مختلفة.
وأعتقد أننا قادرون أكثر من غيرنا ربما على تقديم نتاج منافس لكل ما يأتينا من الشرق أو الغرب إذا نجحنا في استثمار المكنونات التراثية التي لا يمتلكها الغرب، ولكنه يجهد نفسه في أن يمتلكها، في حين نمتلكها نحن، لكننا لا نجهد أنفسنا في البحث عنها ومعرفتها واستثمارها، دون أن يعني هذا الاكتفاء بما هو موجود في تراثنا والانكفاء على الذات.
بل يعني التفكير بعقلية صانع ماهر، يسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب، بأن يجمع أفضل ما يراه في كل مكان، وأن يعيد إنتاجه وعرضه على الناس، بعد أن يكون قد أعمل فيه فكره، وعرف كيف يمكنه الإفادة منه.
جامعة الامارات