لست أعني مبادرة أو خطوة سياسية معينة مثلما شاع في بعض الكتابات والأدبيات بقدر ما أعني حالة أمة بأكملها تتقاذفها الرياح العالمية شرقاً وغرباً منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وليس صدفة أن هذه الرياح قد بدأت تقريباً في نفس التوقيت الذي أصدر فيه آرثر جيمس بلفور وعده اللعين قبل تسعين عاماً ويومين.

فمع نهاية تلك الحرب التي أسفرت عن هزيمة مروعة للمعسكر الذي كان يضم الإمبراطورية العثمانية آنذاك تحول العالم العربي الذي كان ضمن مستعمراتها إلى غنيمة يتم تقسيمها والمساومة عليها بين المنتصرين الذين بدأوا فعلا تجزئته والتلاعب بحدوده في اتفاقية سايكس بيكو التي ظلت سرية حتى تم إعلان النصر النهائي، وعلى مدى العقود الطويلة منذ ذلك الحين وحتى اليوم يصعب القول أن العالم العربي تمتع باستقلال حقيقي يملك فيه قراره وإرادته اللهم إلا لفترات قصيرة لمعت كالبرق في سمائنا العربية ثم سرعان ما تلاشت.

الاستقلال الحقيقي يعني أن تمتلك الدول كل مقومات إرادتها الوطنية، وأن تكون حرة تماما في قراراتها، وقادرة على التصرف بثرواتها كيفما شاءت ومتى شاءت، وألا تكون هناك قيود تحول دون امتلاكها مفاتيح العصر المتمثلة في ارتياد آفاق العلم والتكنولوجيا دون رقيب من هنا أو هناك، كما قد يعني حرية الشعوب وحقها في اختيار حكامها وإبقائهم إذا أحسنوا أو عزلهم ومحاسبتهم قضائيا إن أساءوا، وكذلك امتلاك الشعوب لثرواتها الوطنية وتوظيفها بالطريقة التي تراها مثالية لخدمة طموحاتها واستثمارها بطريقة تجعل المستقبل آمناً بالنسبة للأجيال القادمة.

من هذا المنطلق إذا كان اللورد بلفور البريطاني قد منح اليهود وعداً بوطن في مساحة فلسطين، فإن جيمس آرثر بلفور العربي منح دول الاستعمار الغربي التي تناوبت على المنطقة حق امتلاك حقيقي لمقاليد الأمور في المساحة الأغلب من هذه الرقعة الجغرافية التي ضن عليها الغرب حتى بتسميتها القديمة فسماها حيناً الشرق الأدنى وحيناً آخر دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأحياناً ثالثة ضمها إلى منطقة جغرافية أكثر اتساعاً أسماها الشرق الأوسط الكبير.

بلفور العربي كان له أسبابه التي تبدو منطقية، فوجود ثروات كبيرة وحيوية للعالم الغربي يتيح له أن يعتبر أن العالم العربي مجرد حارس على هذه الثروات، أما ملكيتها الحقيقية فهي للمستورد الذي يدفع الثمن، وذلك أمر لا مثيل له في التاريخ، ولا ينطبق على دول العالم الأخرى التي تمتلك أصناف الثروات ذاتها، فلم يعتبر أحد أبداً أن النفط والغاز الروسي أو الثروة الحيوانية الأوروبية أو مناجم ذهب وألماس افريقيا أو المصانع والمزارع الأميركية، أو حتى أفيون أفغانستان ملك عام للبشرية لا يجوز توظيفه إلا حسبما تشاء القوى الكبرى في العالم.

كما أن رغبة النظم الحاكمة في الحفاظ على كراسيها بأي ثمن دفع كثيراً منها إلى مجافاة تطلعات الجماهير ورغباتها، وقلص المصالح العليا للأوطان إلى مصالح نخبة ضيقة قد تختزل إلى أفراد يعدون على أصابع اليد في دول وتتسع لتضم أعداداً بالآلاف في دول أخرى حسب هامش الديمقراطية المتاح.

وفي الوقت الذي تتسع فيه قاعدة من يتداولون السلطة في كل دول العالم بما فيها العالم النامي والمتخلف، نجد ارتداداً في العالم العربي، فالنظم الجمهورية اخترعت توريث الحكم لتأبيد الحاكم على كرسيه، ولعل النكات السياسية التي تعم العالم العربي عن مواليد جدد يعتبرهم الوعي الشعبي حكاماً قادمين لا محالة أبرز دليل على هذا المناخ الذي يريد لجسم أن يحيا بينما مصنع الدم الذي يغذيه قد توقف.

من أسباب بلفور العربي (الوجيهة أيضا) أننا في معادلة القوة والضعف لا نستطيع مواجهة إسرائيل المسلحة حتى أسنانها والغرب الذي يقف وراءها بعتاده العسكري غير المسبوق في تاريخ البشرية، ولسخرية الأقدار فإن أغلب مشتريات السلاح العربي تتم من ذلك الطرف الذي يصر على إبقاء منطقتنا ضعيفة ومسبية أبد الدهر.

وهذه التريليونات التي ندفعها ثمناً لعتاد عسكري ليست إلا لضخ دماء في شرايين الصناعة الغربية، أما مناقشة إذا ما كنا نحتاج هذا السلاح، أو سيتاح لنا استخدامه ذات يوم فذلك أمر في علم الغيب، لكن التجارب السابقة أثبتت أنه يظل حبيس المخازن حتى يتقادم أو يتآكل لنشتري غيره من ذات المصانع.

كل شيء في مستقبل عالمنا العربي رهين ظروف عالمية، فنحن ننتظر كارثة تحل بالغرب كي نستطيع التعامل مع إسرائيل بما ينبغي أن نتعامل به معها، وننتظر أن يتكرم الغرب ويسمح لنا أن نلحق بركب التكنولوجيا، فنقيم مصانعنا، ونبني قاعدتنا العلمية.

كما نراهن عليه في رفع اليد عن النظم التي تنتقل من فشل إلى فشل في إدارة الدول الشبيهة بالمحميات التي تسير القرار فيها حتى ننتقل إلى وضع ديمقراطي يتيح للقانون أن يعلو على الأشخاص وللدساتير أن تكون أدبيات تحظى بقدر من الاحترام العام، بدلاً من كونها أداة بيد الحاكم يغيرها ويبدلها ويحولها إن شاء حتى إلى ممسحة لحذائه.

والذين تمردوا على منطق بلفور العربي وحاولوا الخروج من عباءته قوتلوا قتالاً مراً من عبد الناصر في الخمسينات إلى حماس في السنوات الأخيرة مروراً بكثيرين آخرين حاولوا ثم وجدوا أن الريح عاصفة فتكيفوا وبعضهم أوشك أن يفقد عقله فأصبح يتخبط يميناً ويساراً.

بلفور العربي حي يرزق وسيظل يعطي بسخاء لإسرائيل ومن وراء إسرائيل، فما لم تنشغل الجامعات بإنتاج علماء يكسرون تلك الدائرة المفرغة، ويصبح بإمكاننا إنشاء مصانعنا وزراعة قمحنا والتصرف كما نشاء في ثرواتنا دون تدخل غربي نبقى تحت الوصاية وإن كانت لنا أعلام وأناشيد وطنية أو فرش لنا السجاد الأحمر في المطارات.

magdishendi@hotmail.com