ناقشنا في المقالة السابقة بعض الأفكار المتعلقة بتجديد الخطاب الديني، وكان من أبرز ما طرحناه الأهمية الكبيرة التي يحظى بها الخطاب الديني في حياة الشعوب العربية والإسلامية، فهو أصبح بمثابة الملجأ الأخير التي رأت الشعوب أن تأوي إليه خاصة بعد فشل كثير من الأيدلوجيات التي فشلت في تحقيق أحلامهم.
تلك الأيدلوجيات التي رافقت نشوء الدول الوطنية بعد حركات التحرر والثورة، واستمرت ردحاً من الزمن. وعليه أصبح اليوم الخطاب الديني مسؤولاً عن تفسير معظم ما يتعلق بحياة الشعوب بحيث أصبح هو الأساس الموجه لكثير من السلوكيات والأفعال.
نعود مرة أخرى لموضوع التجديد فهو موضوع قديم حديث، فالكثير من العوام يظنون أن التجديد هو طرح أميركي غربي جاء بعد أحداث سبتمبر، لأنهم اعتادوا على تقديس المقدس ليس في الثوابت فقط وإنما في الأساليب والقوالب الفقهية والتي هي عبارة عن اجتهادات أنتجها مجموعة من البشر يحتمل فيما اجتهدوا فيه الصواب ويحتمل الخطأ كذلك.
على أي حال من يعتبر موضوع التجديد هو طرح غربي فإنه يخلط بين الأوراق. فالتجديد الذي يقصده الغرب وأميركا على وجه الخصوص هو تجديد موجه بالدرجة الأولى إلى الخطاب السلفي وخاصة في شقه الجهادي، وهنا لا بد من الإقرار بحقيقة مهمة لا تخفى على أحد، وهي أن ما حدث وما زال يحدث بين الطرفين هو ما يصب في خانة تصفية الحسابات،
فأميركا قد تعايشت مع هذا التيار السلفي والجهادي فترة طويلة من الزمن عندما كان يدعو إلى نفس الخطاب وبنفس الأساليب الإقصائية التي تريد أميركا تغييرها اليوم. ولكن عندما تبدلت الولاءات وانقلبت المصالح طالبت أميركا بتغييره وتجديده.
وبعيداً عن الدخول في حيثيات هذا الموضوع نود التركيز على الشق الثاني وهو المتعلق بالخطاب الديني العقلاني المنفتح وهو الذي يُعلي من قيمة العقل على ظاهرة النقل والتقديس. فهذا الخطاب قد ظهر في العصر الحديث مع منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير والتي كان من أبرز روادها المعاصرين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده،
ورشيد رضا حيث أطلق على هؤلاء الثلاثة اسم مدرسة المنار. وتقوم هذه المدرسة على أساس « نظرية المعرفة» وهي التي تقوم على التوفيق ما بين الإيمان أو الوحي والعقل والحس والوجدان، فهي كما وصفها (محمد عمارة) تتجاوز العقلانية الوضعية اللادينية الغربية،
التي جعلت من الدين إفرازاً بشرياً بعد أن قامت بتأويله، وفي نفس الوقت تتجاوز هذه المدرسة عقلية الجمود النصي والحرفي كما تدعو إلى ذلك المدرسة السلفية التي تأخذ بظواهر النصوص القرآنية حتى ولو لم تتفق مع العقل ومقتضيات الواقع،
وهي بذلك أي المدرسة السلفية تؤخر العقل وتقدم النقل عليه. وترتكز المدرسة العقلية الحديثة وذلك كما واضح من اسمها على ثلاثة أبعاد أساسية تتمثل أولاً في العقل، وثانيا تأويل حقائق العقائد الإسلامية بما يتناسب مع متطلبات الوقت الحالي مثل الاكتشافات والنظريات العلمية، وثالثاً محاولة التقريب بين الشرق والغرب.
فأصحاب هذه المدرسة اعتمدوا على الاجتهاد العقلي ونبذوا التقليد؛ فقد نقل عن الإمام محمد عبده قوله: «لكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم».
من هذا المنطلق جاءت هذه المدرسة بتفسير جديد للقرآن الكريم يعتمد على الوحدة الموضوعية للخطاب القرآني بغض النظر عن أسباب النزول. ويزخر كتاب تفسير المنار الذي جمعه رشيد رضا وهو تلميذ محمد عبده بالكثير من الآراء والتفسيرات لأجزاء كثيرة من القرآن الكريم.
وخلاصة هذه التفسيرات أنها أتت بتفسير جديد ومختلف لبعض الآيات في القرآن الكريم كموضوع تعدد الزوجات حيث اعتبره أصحاب هذه المدرسة غير مستحب وطالبوا بمنعه لأن لا سبيل لتربية الأمة مع انتشار التعدد، كما كانت لهم آراء في مسائل كالربا والطعام. . الخ.
كما كان لهذه المدرسة موقف من الحديث الشريف، حيث كان لها رأي في بعض رواة الحديث فلم تكن تأخذ بأحاديث بعض الرواة الذين اشتهروا برواية الإسرائيليات (كل ما يتعلق بأخبار اليهود والنصارى) لأنهم كما يقولون قد بالغوا في الحديث عن الغرائب والخرافات.
كما كان لهم رأي في مواضيع بعض الأحاديث الشريفة فلم يأخذوا بها ومنها ما يتعلق بعلامات قيام الساعة وانتهاء العالم مثل ظهور المهدي والمسيح والدجال في آخر الزمان فلم يؤمنوا بهذه القضايا، كما اعتبروا الكثير من الخوارق هي بمثابة رمز للخرافات والدجل والقبائح،
ولابد للعقل المؤمن أن يتجاوزها. كما كان لهم رأي في قضية العلاقة بين الشرق والغرب فكانت لهم دعوات للتقريب بين المسلمين والغربيين حتى تتم الاستفادة من التطور المادي الذي يعيشه الغرب.
قوبلت هذه المدرسة من الطرف الآخر بالرفض والإقصاء وإلصاق أبشع التهم بها فلقد اعتبرت من الفرق المنحرفة المرفوضة تماماً عند السلفيين؛ ولكن أيا كان رأي الجماعة السلفية في أصحاب هذه المدرسة، وهذا يعني سواء كنا مختلفين مع مبادئ هذه المدرسة أو متفقين في شيء ومختلفين في شيء آخر،
فيكفي أنها حملت لواء التجديد في الفكر العربي الإسلامي، منذ ما يقارب قرن من الزمان. ومن هذا نؤكد على أن فكرة التجديد متأصلة في الفكر العربي والإسلامي، وهي مختلفة عن الطرح الأميركي والغربي الذي يهدف بالأساس إلى علمنة الدين وذلك بفصله عن شؤون الدنيا واعتباره فقط شعائر تردد في أماكن وأوقات معينة.
إن التجديد الحقيقي نابع من داخل الدين ولأجل الدنيا وعلى يد أصحابه الخائفين عليه، فهل هناك دعوة حقيقية بالفعل لإعادة تجديد الخطاب الديني وفق مقتضيات العولمة ومتطلبات الوقت الراهن، ويتزعمها نفر من أهلها، اعتقد أن الساحة لا تخلو
ولكن نتمنى أن يتسع عددهم ويكون تأثيرهم أكثر وأعمق ويلقى ذلك صدى في عقول كثير من العوام التي صدأت عقولهم بفعل عوامل التقديس والتزمت وأصبحت سبباً للكثير من الأزمات التي نعيشها اليوم.
مركز زايد للتراث والتاريخ