خلال الفترة الماضية نشرت الصحافة العالمية سلسلة تصريحات أميركية متناقضة حول آفاق الدرع الصاروخية،وبينما كان جورج بوش يؤكد أهمية نصب الدرع الصاروخية والحاجة الملحة لها،كأداة لحماية الأمن القومي الأميركي من أخطار لم تظهر بعد وفق تقديرات الخبراء العسكريين الأميركيين.

أعلن نائب وزيرة الخارجية الأميركية أن واشنطن على استعداد للتوصل إلى تسوية مع موسكو حول ملف الدرع الصاروخية تقوم على تقديم روسيا لضمانات بتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم مقابل تأجيل واشنطن لنشر الدرع الصاروخية.

وجاءت تصريحات وزير الدفاع الأميركي جيتس قبل القمة الروسية ـ الأوروبية التي أكد فيها استعداد بلاده تأجيل مشروع الدرع إذا ما تعاونت موسكو مع الغرب في ضمان الأمن الأوروبي والدولي، لتكشف عن توفر إمكانية للتوصل إلى تسوية مع البيت الأبيض الأميركي.

وأعتبر الكرملين أن تصريحات جيتس تحمل توجها ايجابيا،مشيرا إلى أن موسكو لم تتلق بعد مقترحات خطية من واشنطن حول كيفية التعامل مع المنظومة الأميركية الصاروخية، إلا أن مصادر دبلوماسية من الخارجية الروسية رفضت ربط الملف الإيراني بمشروع الدرع الصاروخية بأعتبار أن موسكو لا تتوفر لديها معلومات عن أى مخاطر محتملة من البرنامج النووى الإيراني.

وأعلن سيرجى لافروف وزير الخارجية عقب لقائه مع الرئيس الإيراني أن موسكو تتمسك بقرارات مجلس الأمن الدولي،وجدد رفضه للإجراءات الأحادية الجانب،التي تتخذ تجاه إيران،واعتبرها لا تساعد على دعم الجهود الجماعية الدولية لتسوية الأزمة.

ويسود اعتقاد في الأوساط السياسية الروسية أن المساعي الأميركية لمساومة الكرملين تأتي كرد على مقترحات بوتين التي بحثها مع عدد من القادة الأوروبيين قبل زيارته إلى طهران وعرض مقترحاته على الرئيس الإيراني، وكان علي لاريجاني قد اعتبر هذه مقترحات تستحق البحث والدراسة قبل استقالته.

ويبدو أن احد أسباب مرونة موقف واشنطن،تصريحات رئيس الحكومة البولندية الجديد الذي أكد حرص حكومته على تحسين علاقات وارسو وموسكو. وفى اعقاب تصريحات رئيس الحكومة البولندية حذرت رايس موسكو من استخدام الطاقة كسلاح لتحقيق مصالحها السياسية، لتكشف بذلك عن قلق واشنطن من أن تخضع بولندا لموسكو تحت وطأة الحاجة للطاقة،وبسبب الضغوط الأوروبية الساعية لرأب الصدع مع مورد الغاز الأول للقارة الأوروبية ـ روسيا .

وقبل انعقاد قمة روسيا والاتحاد الأوروبي علقت موسكو آمالا على إمكانية التوصل إلى تسوية مع الشريك الأوروبي لإنهاء أزمة الدرع الأميركية، باعتبار أن هذا المشروع سيهدد الأمن الأوروبي،وحاول الجانب الروسي بحث صيغة للتعامل مع الدرع الصاروخية تراعي مصالح روسيا وأوروبا التي ستتضرر من التوغل العسكري الأميركي على أراضيها،إلا ان تعثر القمة في إنهاء الخلاف بين روسيا والشريك الأوروبي حول عدد من الملفات،ابرزها ملف الطاقة، اسفر عن فشل اللقاء في التوصل لأى موقف مشترك إزاء الدرع الأميركية.

وقد عبرت تصريحات بوتين عن حرص روسيا على انهاء حالة التوتر،وتجنب سباق تسلح لا معنى له سيبدأ بسبب المشروع الأميركى،بل أن بوتين اجرى مقارنه بين مشروع الدرع الصاروخية الأميركية وأزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات،لتأكيد نوايا موسكو السلمية في التعامل مع كافة الملفات الدولية.

ومما لاشك فيه أن مواقف الكرملين،وتحذيراته بإمكانية الانسحاب من معاهدة الأسلحة التقليدية في حال رفض الناتو الاستجابة لمطالب روسيا،تستهدف الضغط على الأوروبيين لايقاف هذا التصعيد،بهدف تجنب سباق تسلح جديد يمكن أن يقود روسيا إلى أزمات اقتصادية طاحنة.

ويرى العديد من الخبراء الروس أن التفاوض مع الولايات المتحدة حول تأجيل نشر الدرع الصاروخية لن يسفر عن نتائج ايجابية،وأن بوش وإدارته ليست لديهم الصلاحية لإيقاف هذا المشروع الذي سيحقق عائدات كبيرة للمؤسسات التي ستشارك في تصنيع عناصر الدرع ونصبه في شرق أوروبا، إلا أن إصرار واشنطن على مشروعاتها العسكرية والتى لا تقتصر على الدرع الصاروخية.

وانما تتعداها لضم أغلبية بلدان الفراغ السوفييتى السابق والواقعة على حدود روسيا إلى حلف الناتو، ونشر قواتها وقواعدها فيها يعني أن الولايات المتحدة تعمل على فرض حصار عسكري على روسيا،تمهيدا لفرض سيطرتها على مصادر الطاقة في منطقة بحر قزوين.

ونلمس بوضوح أن إدارة الرئيس بوش تبذل جهودا مكثفة لفرض النفوذ الأميركي على منابع الطاقة في العالم، ليس فقط في الشرق الأوسط، وانما أيضاً في وسط آسيا،لتضمن سيطرتها المطلقة على أسواق النفط العالمية.

وقد حذر الخبراء الأميركيون في مؤتمر حول الطاقة الروسية عقد في واشنطن، تحول روسيا إلى قوة عظمى في مجال الطاقة،نظرا إلى أن روسيا يمكن أن تكون دولة غير صديقة للغرب.وأعربت الخبيرة الأميركية زينو باران عن قناعتها بأن (تشتت الأوروبيين أتاح لموسكو إحباط محاولاتهم لإيجاد ممرات لا تمر بروسيا لاستيراد النفط والغاز من بلدان بحر قزوين وآسيا الوسطى).

وبالرغم من أن السياسة الأميركية تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية في ارتفاع أسعار النفط، إلا هذا الإرتفاع لم يثر الذعر في الولايات المتحدة ولا في أوروبا الغربية،بل ولم يلحق أي ضرر باقتصادهما.يدرك الجميع أن ثمن النفط مبالغ فيه وأن الطفرة الحالية في أسعار الطاقة ناجمة عن المضاربة والنزاعات الناشبة في المناطق المنتجة للنفط.

وتأمل واشنطن أن تسفر هذه النزاعات عن فرض نفوذها على مصادر الطاقة ومن ثمة التحكم في أسعارها.ولأن الظواهر الاقتصادية والاجتماعية تؤثر وفق قانون صراع الأضداد، فأن ارتفاع أسعار النفط يحقق للخزينة الروسية عائدات تصل إلى 60$ من كل برميل.وبالتالى يزيد من حجم الموازنات الحكومية وتوظيف الأموال في البنى الأساسية.

وتكشفت هذه التطورات عن أن الولايات المتحدة مازالت تحاول إعادة ترتيب مراكز النفوذ وميزان القوى الدولي وفق منهج العالم أحادي القطب،اي القطب الذي يفرض شروطه وينتزع مصالحه بصرف النظر عن مصالح الآخرين.

وتتجاهل واشنطن في هذا السياق أن وضع روسيا قد اختلف مقارنة بمرحلة حكم الرئيس يلتسين،ولم تعد روسيا تبحث عن بضعة ملايين لحل أزماتها الاقتصادية، وقد لا تكون في موقع فرض إرادتها كقوة عظمى،إلا انها اصبحت بالتأكيد طرفا دوليا لايمكن تجاهل مصالحه كما تحاول واشنطن.

مركز دراسات الطاقة ــ روسيا