فيما تتعثر المفاوضات بين الفريقين الفلسطيني برئاسة رئيس الوزراء السابق أحمد قريع، والإسرائيلي برئاسة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، بما في ذلك لقاء القمة الأخير بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت الذي وقع يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر الماضي، تحرص وزيرة الخارجية الأميركية على صرف جزء من وقتها في التشاور مع أصحاب الخبرة للبحث فيما يساعدها على إنجاح مؤتمر الخريف.

فبعد استهلاك ما مضى من وقت وبعد إعلان الرئيس بوش نيته الدعوة لعقد اجتماع أو مؤتمر دولي في الخريف، وكان ذلك في 19/7 من هذا العام، لم يتبق أمام الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي سوى أسابيع قليلة لإنجاز اتفاق يمكن أن يضمن سلفاً نجاح المؤتمر في التوصل إلى حل يفعل رؤية الدولتين كما تؤكد رايس.

الفشل في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية حتى الآن يرفع من وتيرة التشاؤم ويعزز منطق الداعين لتأجيل مؤتمر الخريف، الأمر الذي يحفز الإدارة الأميركية على بذل المزيد من الجهد لضمان عقده وضمان نجاحه، ذلك أن إدارتها بحاجة ماسة لمثل هذا النجاح قبل الانتخابات الرئاسية في العام المقبل، وهي أيضاً تحرص على ألا يشكل الفشل في عقده، إساءة لسمعة الولايات المتحدة وذخيرة إضافية بيد الديمقراطيين الذين يصعدون من انتقاداتهم لسياسة الجمهوريين.

في محاولة قد تصيب وقد تخيب، انتبهت الوزيرة رايس إلى الحاجة لإجراء مشاورات حثيثة مع مسئولين سابقين كانت لهم خبرات عملية ملموسة في موضوع البحث عن السلام بين الفلسطينيين والعرب من ناحية وبين الإسرائيليين، فضلاً عن تقليبها أوراق التاريخ علها تجد فيها ما يعينها على مهمتها الصعبة.

المصادر الرسمية الأميركية تتحدث عن لقاءات بين الحين والآخر تعقدها رايس مع وزيرة الخارجية السابقة، أيام الرئيس بيل كلينتون مادلين أولبرايت التي كان والدها أستاذاً لرايس أيام الدراسة.

وبالإضافة إلى ذلك تلتقي رايس مع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر الذي قاد عملية سلام كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل أواخر سبعينات القرن الماضي، والرئيس بيل كلينتون الذي بذل جهوداً كبيرة وصرف أكثر من أي رئيس أميركي وقتاً في معالجة الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وبالرغم من أن هؤلاء يواصلون انتقاد إدارة بوش وسياساته.

ومن وزراء الخارجية السابقين، تبحث رايس عن خبرة التاريخ عند هنري كيسنجر، وجيمس بيكر، والمفاوض السابق في العهد الديمقراطي دينيس روس، ولا نعتقد أن من يلجأ لمثل هذه الاستشارات حتى مع شخصيات معارضة للإدارة، يستنكف عن اللجوء لأي مرجع يمكن أن يحصل منه على فائدة.

رايس التي ترددت على المنطقة سبع مرات خلال هذا العام، وتنوي زيارتها مجدداً بعد أيام قليلة، كانت قد صرحت في وقت سابق بأن تطبيق رؤية الدولتين، الفلسطينية إلى جانب إسرائيل، ينطوي على مصلحة بالنسبة لبلادها فضلاً عن أنها تلبي مصالح الأطراف المعنية في المنطقة، أي أنها لا تخفي بعض أهم الدوافع من وراء الدعوة للمؤتمر الدولي وعقده حتى ولو أنه لم يتبق لإدارتها سوى أربعة عشر شهراً.

في الواقع فإن الاكتشاف المتأخر للمصلحة الأميركية في تطبيق رؤية الدولتين التي طرحها بوش في عام 2002، قد جعل المهمة أكثر من صعبة حيث أن السنوات الخمس الماضية راكمت على أرض الواقع الكثير من الحقائق العنيدة، ما وسع الفجوة بين الطرفين المعنيين بتحقيق هذا الهدف.

فخلال هذه السنوات الخمس، شنت إسرائيل حملة السور الواقي وأعادت احتلال الضفة الغربية بالكامل، وقطعت شوطاً كبيراً في بناء جدار الفصل العنصري الذي أدانته محكمة لاهاي والجمعية العامة للأمم المتحدة، وصادرت إسرائيل المزيد من الأراضي لصالح الاستيطان في الضفة حيث يبلغ عدد المستوطنين ما يقرب من نصف المليون.

وخلال الفترة ذاتها حثت إسرائيل الخطى نحو تهويد القدس، بتغيير معالمها، وإحداث انقلاب ديموغرافي يميل باضطراد لصالح اليهود، فضلاً عن إحكام الطوق حولها وعزلها بالكامل عن أراضي الضفة الغربية شمالاً وجنوباً. وخلال الفترة ذاتها أيضاً تعمدت إسرائيل تدمير مقومات الاقتصاد الفلسطيني الناشئ.

وإضعاف السلطة الوطنية إلى أبعد الحدود، لكي تبرر أمام العالم استبعاد وجود شريك فلسطيني، ثم حاصرت الرئيس الراحل ياسر عرفات، وتخلصت منه، قبل أن تبدأ بتنفيذ خطة الفصل أحادي الجانب كبديل للحل التفاوضي، حين أخرجت قواتها ومستوطنيها من قطاع غزة في سبتمبر عام 2005.

وعلى الجانب الفلسطيني وقعت خلال السنوات الخمس تطورات جذرية هائلة لم تكن اليد الإسرائيلية بعيدة عنها، فلقد جرت الانتخابات البلدية والرئاسية والتشريعية، ودخلت حركة حماس شريكاً قوياً مضارباً في السلطة وفي القطاع السياسي الفلسطيني، ودخلت الساحة الفلسطينية في مرحلة فلتان أمني وفوضى عارمة واقتتال، إلى أن قامت حماس بانقلابها العسكري في يونيو هذا العام. الانقلاب العسكري أحدث شرخاً وانقساماً عميقاً سياسياً وجغرافياً واقتصادياً بين الفلسطينيين لعبت ولا تزال إسرائيل تلعب دوراً منهجياً في تعميقه وتأييده.

في تصريح نادر لنائب وزير الدفاع الإسرائيلي ماتان فلنائي في الثامن والعشرين من الشهر الماضي بعد اجتماع للحكومة الإسرائيلية وتعقيباً على قرار تقنين إدخال الوقود والكهرباء إلى قطاع غزة قال: «إن السبب لا يعود بالدرجة الأساسية لموضوع الصواريخ، ولا لأن إسرائيل تريد فرض عقوبات جماعية على سكان القطاع وإنما لأنها تستهدف الانفصال عن غزة بنسبة 100%».

تصريح فلنائي بشأن الدوافع الحقيقية من وراء حصار غزة والعدوان عليها يعيدنا إلى خطة الفصل أحادي الجانب الذي يستهدف أيضاً فصل غزة عن الضفة الغربية والقدس نهائياً بما يقطع الطريق عبر سياسة الأمر الواقع، أمام أي فرصة لتطبيق رؤية الدولتين التي تفترض قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة، وبدفع المستقبل الفلسطيني نحو سيناريوهات تتصل بما كان عليه الوضع قبل حرب يونيو عام 1967.

في الرابع والعشرين من الشهر الماضي وقفت رايس أمام الكونغرس لتدافع عن فكرة المؤتمر الدولي حول الشرق الأوسط وترد على تحذيرات وانتقادات الديمقراطيين، وفي حين اعترفت بصعوبة إقناع دول عربية معتدلة وحليفة بالمشاركة فيه، فإنها لم تكن تملك ما تقوله بشأن جوهر الاستعصاء الذي يتصل بعدم قدرة طرفين ضعيفين هما الفلسطينيون والإسرائيليون على تجاوز خلافاتهما القوية.

في الإجابة عن الاستعصاء يترتب على رايس أن تتدخل من موقع المحكم إزاء إدعاءات الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بشأن مدى التزام كل منهما بتنفيذ المرحلة الأولى من خارطة الطريق.

الفلسطينيون يقولون إنهم نفذوا كلياً أو جزئياً ما تلزمهم بتنفيذه خارطة الطريق من حيث مكافحتها لما يسمى بالإرهاب وتفكيك بناه، فيما يشكك الإسرائيليون في قدرة الرئيس عباس على ذلك، مستخدمين من ذلك لتبرير عدم تنفيذهم للاقتراحات المنصوص عليها ويفهمون عكس ما يفهمه الفلسطينيون من أن التنفيذ يجب أن يكون متزامناً ومتوازياً وليس متتالياً.

على أن الإدارة الأميركية إذا أرادت إنجاح المؤتمر، أن تقرر التصرف بطريقة مختلفة تماماً وأن تستفيد من تجربة جيمس بيكر الذي مارس الضغط على إسحاق شامير عام 1991، لكي يجلس مقابل الوفود العربية في مؤتمر مدريد في أكتوبر من ذلك العام وإلا فإن فشل المؤتمر سيؤدي إلى نتائج وخيمة على صعيد المنطقة وليس فقط على صعيد الوضع الفلسطيني الداخلي، والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

كاتب فلسطيني