أسدل الستار قبل عدة أيام على أعمال مؤتمر المعرفة الأول الذي نظمته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم كباكورة لأنشطتها التي ستتنوع طوال العام. وخلال المؤتمر التقيت مع أحد الباحثين العرب المتميزين، والذي يتحدث دائماً عن تطوير التعليم وعن إيجاد حلولٍ عملية لمشكلات العالم العربي في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها.
حيث كان يشتكي هذا الباحث من صغر حجم قاعة المؤتمر، فقلت له لابد من أن المنظمين لم يجدوا مكاناً آخر لكثرة الفعاليات في دبي. فاستغرب كيف لا يستطيع المنظمون وهم من الحكومة ـ على حد تعبيره ـ من الحصول على مكان؟ وأقسم بأن هذا المؤتمر لو كان في (دولة خليجية مجاورة لا أريد ذكرها) لأخرجوا أياً كان من أي قاعة يريدون ولعقدوا المؤتمر فيها!
قلت له بأن الأمر مختلف في دبي، فهنا لا تستطيع حتى الحكومة إلغاء حفلة ما أو حدث معين في أي قاعة كانت، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي أعطت دبي مصداقية على مستوى العالم، فكل الحقوق محفوظة ولا أحد فوق القانون. رد علي قائلاً:(هذا كلام تسويقي... الناس جاءتكم هنا لأنكم فاتحين الباب على مصراعيه، مو لأن حكومتكم معطية المستثمر حقوقه).
استأذنت منه وانصرفت دون أن آسف عليه، ولكنني أسفت أن مثل هؤلاء الناس توضع أسماؤهم في قائمة المثقفين والأكاديميين العرب الذين لا يمتهنون شيئاً في الدنيا غير حضور المؤتمرات والإدلاء بأي دلوٍ حتى وإن كان فارغاً لا لشيء إلا ليبقوا في «الصورة».
لا أدافع عن دبي لأنها مدينتي، ولكن لكل عمل صعوبات ولكل نجاح معوقات، وعلى المثقف الذي ينظر إليه الناس بإعجاب ويسمعون له إذا تحدث ويقرأون له إذا كتب أن يكون حذراً في أطروحاته أو على الأقل متزناً فيما يقول، وعلى الرغم من أن العربي متشائم بطبيعته التي جبلته عليها الأوضاع الراهنة، إلا أن ذلك لا يعفيه من النظر إلى الحقائق بعين المحايد قبل إطلاق أحكام جزافية تنم عن قلّة علم وضعف حيلة.
زرت قبل عدة أشهر صديقا لي في سنغافورة يتقلّد منصباً رفيعاً في مجموعة «سيتي جروب» ويعمل كمستشار لدى الحكومة السنغافورية، وخلال العشاء قال لي بأنه سأل (لي كوان يو) وهو رئيس الوزراء السابق لسنغافورة ومؤسس الدولة عن دبي، فقال له:(لو سألتني هذا السؤال قبل سنتين لقلت لك بأنها فقّاعة، ولكن هذه الفقاعة لم تنفجر على الرغم من كل ما قيل عنها...
لذلك أظنها أنها تجربة حقيقية وسيكتب لها النجاح). لم يكن معهما أحد عندما سأله هذا السؤال، ولم يكن «لي» مضطرا لمجاملة السائل ولكنه قارن تجربة دبي بمعايير المدن العالمية فوجدها متجهة إلى الأعلى بزاوية حادة، وأعمل فكره قبل قلبه فعلم بأن هذه التجربة تستحق الوقوف عندها ولو لبرهة.
وقبل سنتين زار دبي الخبير الإداري «مايكل بورتر» الذي أرسى مبادئ علم الإدارة الاستراتيجية الحديثة، وعندما طاف بالمدينة قال لمن معه بأن نظرية «التجمّعات الاقتصادية» موجودة في دبي، حيث تنص النظرية على أن يتم تقسيم اقتصاد الدولة أو المدينة إلى تجمّعات اقتصادية تتخصص كلّ منها في صناعة ما.
فعلى سبيل المثال يتم تشكيل مدينة لشركات تكنولوجيا المعلومات، ومدينة للإعلام، ومدينة مالية، ومدينة للخدمات اللوجيستية إلى غير ذلك من قطاعات اقتصادية، وسيؤدي هذا الأمر إلى إيجاد بنية تحتية مشتركة لكل قطاع صناعي، وإلى توفير وظائف أكثر في كل قطاع لأنه سيكون قادراً على معرفة حاجاته الوظيفية بدقة أكثر وسيكون أكثر قدرة على التنبؤ بنموه وبحاجاته المستقبلية.
كما ستسهل هذه النظرية (لو طبّقت) على المستثمرين الوصول إلى شركاء جيدين في السوق. أضف إلى ذلك أن مستوى الخدمة المقدمة من كل قطاع سيرتفع يوماً عن يوم لاشتداد المنافسة بين الشركات الموجودة في مكان واحد والتي تسابق بعضها البعض في توفير خدمة وبضاعة أفضل للعميل.
كل هذا قاله بورتر دون أن يدري بأن دبي قد بدأت بتطبيقه قبل سنوات، وكل هذا دون أن تعلم دبي بهذه النظرية التي أصبحت واقعاً قبل أن تكون نظرية. لقد تفاجأ بورتر بما رآه وكان من أول المبشرين بأن دبي ستكون مدينة عالمية لا محالة.
عندما تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عن مشاريع مؤسسته الطموحة قال بأن أحد أصدقائه اتهمه بأنه يحرث في بحر، وقال أيضاً بأن الناس في دبي استطاعوا أن يستخرجوا من البحر اللآلئ وخيرات كثيرة، واستطاعوا أن يبنوا فيه مباني جميلة...
وقال أيضاً بأن الإنسان إذا أراد شيئاً فإن الكون أجمع يتعاون معه لتحقيقه. فلماذا يصرّ بعض «المثقفين» العرب على فشل هذه التجربة على الرغم من نجاح معظم تجارب دبي السابقة؟ وإلى متى سيكيلون الاتهامات إلى دبي بأنها فاشلة لا محالة؟
ولماذا يرنون من الأساس إلى فشل دبي؟ هل لأن نجاح دبي سيعني بأن المثقف العربي لن يكون لديه شيء يبكي عليه مثلما تعوّد دائماً؟ أم أن بعض المثقفين العرب قد وصلوا إلى مرحلة من الثقافة إلى درجة أنهم يظنون بأن كلا منهم هو فقط من يعرف الصواب وعلى الآخرين أن يستمعوا له لعلّهم يرحمون؟ وأخيراً، لماذا تستخرج دبي من البحر خيراته ويرمي المثقف العربي فيه أحلامه وطموحاته؟
باحث إماراتي
