دون مفاجأة اقترع 507 من أصل 526 نائبا تركيا أثناء الجمعية الوطنية الكبرى يوم 17 أكتوبر الماضي على اقتراح تقدمت به الحكومة من اجل السماح بقيام عملية عسكرية محتملة ضد عناصر حزب العمال الكردستاني الذي تتواجد قواعده في جبال قنديل بشمالي العراق والتي تخضع إدارتها للأكراد العراقيين.

بسرعة تحرّك جورج بوش وكوندوليزا رايس والاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي وطلبوا من تركيا ضبط النفس. بالطبع لا احد يتمنّى قيام تركيا بتدخل عسكري، لكن من المهم معرفة الأسباب التي أدّت إلى مثل هذا الوضع الذي يستدعي ثلاث ملاحظات على الأقل.

الملاحظة الأولى تخص العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا. من المألوف تقديم البلدين على أنهما حليفان قريبان لهما نفس المصالح الاستراتيجية الإقليمية؛ ويجري ذكر الاتفاقات العسكرية بين أنقرة وتل أبيب كمثال على التقارب بين أنقرة وواشنطن. مع ذلك يبيّن تاريخ الأربعين سنة الأخيرة أن العلاقات التركية ـ الأميركية عرفت أزمات عنيفة عديدة.

وتعود الأزمة الكبيرة الأخيرة إلى تاريخ الأول من شهر مارس 2003 عندما رفض البرلمان التركي نشر 62000 من جنود المارينز الأميركيين على الأرض التركية في منظور احتمال القيام بهجوم على الأراضي العراقية من الشمال ووضع بغداد بين فكي كمّاشة.

اذا كان النواب الأتراك قد اتخذوا ذلك القرار، فإن السبب يعود لإدراكهم ان التصرّف الأحادي الطرف الذي انتهجته سياسة إدارة بوش قد يؤدي إلى خلخلة استقرار المنطقة بعمق.

وهذا ما تخشاه أنقرة كثيرا. لذلك إذا كانت تركيا قد امتثلت سابقا لمشاريع إدارة كلينتون الرامية إلى إعادة تنظيم المنطقة على أساس محور يضم في مرحلة أولى تركيا والدولة العبرية والأردن والدولة الفلسطينية المفترضة، فإنها رفضت المساهمة في تنفيذ المشاريع التي تقدّم بها المحافظون الجدد على قاعدة فهمها أنه إذا كان هؤلاء يبذرون الريح فإن دول المنطقة هي التي سوف تحصد العاصفة.

يمكن منذئذ معاينة جفاء العلاقات بين الحليفين حيال سوريا وإيران. بالنسبة لسوريا من الملفت للانتباه انه منذ أربع سنوات حسّنت أنقرة بشكل ملحوظ علاقاتها مع دمشق في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تعتبر سوريا في عداد دول «محور الشر». وفيما يخص إيران، فإن تركيا اقترعت مع العقوبات التي قررتها الأمم المتحدة ولكنها راعت بنفس الوقت جارتها الكبرى معتبرة أنها لا تمثل خطرا حقيقيا.

هكذا نلاحظ ان واشنطن وأنقرة ليستا على نفس الموجة بالنسبة للعديد من الملفات. وازدادت حدّة الوضع أكثر خلال الأيام الأخيرة عندما اقترعت لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي يوم 10 أكتوبر الماضي على قرار يصف مذابح الأرمن عام 1915 أنها مجازر إبادة.

كان الكأس قد طفح بالنسبة للأتراك الذين هددوا ضمنا أنهم لن يسمحوا بعد بمرور التموين اللوجستيقي عبر القواعد الجوية التركية إلى القوات الأميركية الموجودة في العراق. وعندما نعرف ان 70% من الشحن الجوي و30% من المحروقات و95% من العربات المدرعة الموجهة للعراق تمر عبر تركيا فإننا نفهم لماذا لم يستهن البيت الأبيض بالتهديد.

الملاحظة الثانية تخص مكافحة الإرهاب. ان حزب العمال الكردستاني الذي قام بحرب ضروس ضد الدولة التركية ما بين عام 1984 وعام 1999 وفقد حوالي 37000 من مقاتليه جرى تصنيفه كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومنذ سقوط نظام صدام حسين يطلب المسؤولون السياسيون والعسكريون الأتراك باستمرار أثناء اللقاءات مع نظرائهم الأميركيين اتخاذ الإجراءات الضرورية ضد النشاطات المسلحة للمتمردين من حزب العمال الكردستاني المتواجد شمال العراق. وباستمرار أيضاً يجيبهم المسؤولون الأميركيون أنهم لا يملكون إمكانيات ذلك.

ويتصاعد غضب الأتراك أيضاً عندما لا يفهمون لماذا ترفض إدارة بوش اتخاذ مبادرات مناسبة ضد حزب العمال الكردستاني، وهي التي جعلت من مكافحة الإرهاب صلب سياستها الدولية. فهل هناك مجموعات إرهابية قد تنبغي مجاملتها؟ لا شك أن السؤال فيه قدر من الاستفزاز، لكن هذا هو الإحساس السائد لدى قسم هام من الرأي العام التركي. بهذا المعنى لم تجد النداءات التي أطلقها الأميركيون مؤخرا من اجل ضبط النفس آذانا صاغية لدى الأتراك.

إذ كيف يمكن لدولة قانون ان تبقى مكتوفة اليدين عندما يتم القيام بتفجيرات بين السكان المدنيين في تركيا، وعندما ينصب مقاتلو حزب العمال الكردستاني الكمائن للجنود الأتراك؟

قد يمكن تبرير مطالبة السلطات التركية بضبط النفس ذلك أنه ينبغي قبل كل شيء اللجوء إلى المبادرات السياسية من أجل محاولة التوصل إلى رفع تحدي حزب العمال الكردستاني، لكن يمكن أيضاً فهم الامتعاض من ان تأتي مثل تلك النصيحة من المسؤولين الأميركيين وهم الذين يولعون الحرائق منذ عدة سنوات في المنطقة بينما لم يبرهنوا على أي مواقف حازمة حيال حزب العمال الكردستاني.

الملاحظة الثالثة تخص المسألة الكردية نفسها. ينبغي التذكير أولاً انه لا يمكن اختزال المسألة الكردية إلى مجرّد قضية حزب العمال الكردستاني. وإذا كان المواطنون الأتراك من أصل كردي يطالبون بحقوق ثقافية متزايدة فإن هذا يبدو مشروعا، لكن بالنسبة إلى المطالب الفيدرالية أو الداعية إلى الاستقلال الذاتي أو إلى الاستقلال الكامل فإن هذا يقحم ديناميات أخرى.

وليس في تركيا تباينات في الحقوق السياسية على أسس اثنية، إذ يوجد في البرلمان التركي حزب يعلن بوضوح عن انتمائه الكردي وهناك العديد من النوّاب والمسؤولين السياسيين الأتراك في جميع التشكيلات السياسية التركية وخاصة في حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي حصل على نسب عالية من أصوات الناخبين في الانتخابات التشريعية المبكّرة التي جرت في شهر يوليو الماضي.

بكل الأحوال وفي سياق إقليمي متحرّك جدا وغير مستقر ينبغي عمل كل شيء من أجل المحافظة على إطار الدول ـ الأمم القائمة ورفض السبل الطائفية ومخططات جميع أولئك يريدون، خاصة في واشنطن، إعادة تركيب الشرق الأوسط على أسس اثنية وطائفية. فلن يكون هناك أي رابح من ذلك في النهاية.

المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والاستراتيجية ـ باريس