من تراكم الخبرات والسوابق، بتنا على دراية واسعة بعدد من تقاليد المقاربة الإسرائيلية لحديث السلام والتسوية على المسار الفلسطيني. يعنينا من هذه التقاليد في هذا المقام تلك السياسة المتعلقة بمحاولة التعجيل بفرض المزيد من حقائق الأمر الواقع الإسرائيلي وتعزيزه بالنسبة لأية قضية مرشحة بإلحاح للتفاوض..
بمعنى أنه كلما استشرفت النخبة الإسرائيلية الحاكمة سخونة في أجواء قضية بعينها توحي بالحماسة لطرحها على بساط البحث، مضت في مفاقمتها ورش الملح عليها على نحو يقلص الآمال في إمكانية تسويتها بشكل مرضٍ للجانب الفلسطيني وتطلعاته!
والحال كذلك فانه إذا أراد البعض أن يستثير السعار الإسرائيلي تجاه قضية ما في ملف التسوية الفلسطيني فما عليهم سوى تكثيف المطالب الخاصة بمستقبل هذه القضية ووضعها على سكة الحل النهائي! من أمثلة هذا السيناريو، أن التوحش الاستيطاني في أنحاء الضفة ولا سيما في أحشاء القدس ومحيطها تزايد أضعاف ما كان عليه الحال غداة توقيع اتفاق أوسلو، الذي يفترض أنه توخي العكس.
وان إسرائيل شرعت في بناء جدار الاستيطان العنصري بكل همةٍ فور تداول واشنطن لفكرة الدولتين، رغبة منها في تعريف حدود الدولة الفلسطينية بخطوة استباقية كبرى.
وليس بلا مغزى في هذا السياق الاتجاه الإسرائيلي مؤخراً إلى توكيد رفض عودة اللاجئين إلى مساقط رؤوسهم داخلها بين يدي ردودها الغائمة على مبادرة السلام العربية.
آخر نماذج هذا التقليد المتواتر التوجه لاستئناف أشغال الحفر في باب المغاربة وبناء جسر جديد يصل بين ساحة البراق والحرم القدسي، وإقرار بناء مستوطنتين في منطقتي جبل المكبر وكرم المفتى، وذلك بالتزامن والتوازي مع ما يقال عن تنشيط العملية التفاوضية مع الفلسطينيين وجهود عقد ملتقى أنابوليس برعاية أميركية، والرغبة الفلسطينية في حسم قضايا الوضع النهائي ومنها القدس.
تقديرنا أن هذا السلوك جزء من آلية التفاوض ذاتها.. إذ المراد في التحليل النهائي تصعيد مخاوف المفاوض الفلسطيني وهواجسه، وصولاً ما أمكن إلى دفعه للاكتفاء بما يملى عليه بزعم أن الوقت لا يعمل لصالحه، وهو أمر لم يثبت نجاعته ولا حقق أهدافه، أقله على النحو الذي تضمره إسرائيل. تشي بهذه المحصلة مثلاً أحوال مدينة القدس التي نالها القسط الأوفر من سياسة الأمر الواقع منذ استكمال احتلالها عام 1967.
من المعلوم تماماً أنه لا توجد صغيرة ولا كبيرة من المعالم العربية والإسلامية في هذه المدينة إلا وتعرضت لإجراءات التهويد والأسرلة بكل قوة، ومع ذلك فإنها ظلت عصية على الهضم والابتلاع. ان أشد المسؤولين الإسرائيليين وقاحة لا يملك جرأة الإدعاء بأن الخلق أصبحوا بصدد قدس يهودية إسرائيلية خالصة، خالية من معالم الفلسطنة والعروبة والإسلام.
أربعون عاماً من عمليات الهدم والبناء وإعادة تشكيل المحتوى البشري والمعماري، هبوطاً إلى درك نبش قبور صناع القدس وعمارها من العرب والمسلمين وإبدال رفاتهم بعظام يهودية نخرة لطمس التاريخ الحقيقي حتى في باطن باطن الأرض. أربعون عاماً من هذه السياسات المثيرة للقرف كانت تكفي وزيادة لإنجاز المهمة الإسرائيلية. ولكن يبدو أن هذه المهمة الاستثنائية ووجهت بواقع مقاوم استثنائي. وإذا كان الحق ما شهدت به الأعداء، فلنتأمل بالخصوص شهادتين إسرائيليتين..
الشهادة الأولي لناشط من حركة السلام الآن نشرتها معاريف في 16 /5/ 2007.. يقول فيها صاحبها ياريف أوينهايمر بأن «إسرائيل أنفقت 48 مليون شيكل (نحو 11 مليون دولار) للاحتفال بالسنوية الأربعين لأسطورة توحيد القدس إلى الأبد. وهذا عمل دعائي ينطوي على إخفاء المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تزخر بها المدينة وتوكيد ما هو خيالي إلى حد الهذيان. فالمدينة مقسمة بكل تأكيد من جميع الجوانب ولا أمل في تغيير هذه الحقيقة مستقبلاً..»!
ويمضي أوبنهايمر إلى أنه «لا مناص من تقسيم القدس إلى عاصمتين لأن محاولات طمس الخط الأخضر لم تفلح وسوف تنتهي بكارثة تحت شعارات كاذبة عن المدينة الموحدة..»، وهو يستهزئ بمهندسي هذه المحاولات الذين أجبروا على الاحتفاء بأكذوبة التوحيد «في غربي المدينة فقط. وهذا دليل قاطع على فشل قضية التوحيد المستحيلة..».
الشهادة الثانية لمظلي إسرائيلي جرح أثناء مهاجمة القدس عام 1967 يدعى موشي عميراف، نشرتها يديعوت أحرونوت في 16/5 الماضي أيضاً. وهي أكثر عمقاً وعناية بالتفاصيل، نقتبس منها ما يلي:
ـ أن أكبر المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية خلال العقود الأربعة الماضية جرت في القدس وضواحيها. وفيها تم الاستيلاء على أحياء ومساكن والتضييق على العرب بكل السبل لحجبهم عنها وقمعهم فيها.. وذلك بكلفةٍ مالية تزيد على العشرة مليارات من الدولارات.
ـ كانت نتيجة هذه السياسات أن نسبة التزايد السكاني العربي في المدينة تفوق مثيلتها بين اليهود بثلاثة أضعاف، بحيث سيصبح العرب أكثرية فيها خلال سنين معدودة. وهي الآن من أفقر المدن في إسرائيل!
ـ أن القدس مقسمة تماماً على الرغم من الثرثرة الإسرائيلية عن كونها موحدة. وقد فشل الإسرائيليون في استقطاب أي تأييد لمزاعمهم بأنها عاصمة لدولتهم.
ـ من مظاهر الفشل الإسرائيلي أن القدس ليست الآن أحادية أو يهودية الثقافة أو الدين أو القومية.
بعد أن يبسط عميراف هذه الحقائق على الملأ، ينتقل إلى طرح مقترحات محددة كي «تتحول القدس بالفعل إلى مدينة سلام..». وهو يصيغ تصوره في تساؤلات مثيرة على شاكلة: لماذا لا نحاول قبول المدينة كما هي، متعددة الديانة وثنائية القومية؟! ما الذي سيحدث لو أصبح واحد في المئة منها ذا مكانة دولية، يكون فيه الإسرائيليون شركاء لا مالكين؟!(والمقصود بهذه النسبة البلدة القديمة وقوامها كيلومتر مربع واحد). ويعتقد عميراف أنه إذا ما وافقت إسرائيل على هذا التصور فان «القدس ستتحول من مشكلة إلى جزء من الحل..».
لعل أبرز ما يلفت النظر في هذه الشهادة عبارة بالغة الدلالة يقول فيها هذا المظلي القديم حرفياً «ان القدس تضحك في قلبها وتسخر وهي في أعلى التاريخ من الإسرائيليين الجدد الذين يريدونها ما ليست هي.. وذلك لن يكون أبداً..».
لا نود بهذه الإشارات طمأنة الفلسطينيين والعرب وسائر المسلمين إلى ان بيت المقدس، مدينتهم الأثيرة الأسيرة، تنعم بحياة طبيعية رغده هانئة رغماً عن زمن الاحتلال الممتد بأعراضه وأمراضه.
ليس عاقلاً من تذهب به الشهادتان المذكورتان ونحوهما إلى هذا الظن الحالم! ما نقصده أن القدس على قساوة سياسات الأمر الواقع الإسرائيلية الإجرامية ما زالت أمينة على روحها الحضارية؛ تنتظر والمرابطين فيها من أبناء أرومتها الحضارية العربية الإسلامية، من يمد لها يد الخلاص بكل جدية وإخلاص. بمثل هذا المدد المنظور المستمر وغير الموسمي المشفوع بالنفاذ، ينجو المفاوض الفلسطيني من ضغوط هذه السياسات وإسقاطاتها على مواقفه.
كاتب وأكاديمي فلسطيني