قد لا يكون هنالك ضرر حين يتم الخلط بين معاني مصطلحين خلال تبادل الأحاديث بيننا، وقد لا يحدث هذا الخلط ضرراً في بعض مجالات العمل أيضاً، إلا أن من الخطورة بمكان عدم تجنب ذلك في مجالات أخرى خاصة حين يُراد رسم استراتيجية يشكل هذان المصطلحان محوريها الرئيسيين.

في هذا السياق نتناول في هذه السطور مصطلحين مهمين يكثر استعمالهما هذه الأيام ويجري الحديث حولهما بكثرة على مستوى الأفراد والمؤسسات وهما مصطلحا: «المعلومات» و«المعرفة». يعتبر البعض أنهما يعنيان الشيء ذاته، وقد يختلط هذا الأمر في أحيان كثيرة على جهات استشارية في مجال إدارة الأعمال قد لا تجد ضرورة للتمييز بينهما.

إلا أن المجالات الأكاديمية لا تتقبل الخلط في المعاني خاصة وأن التمييز بينهما مهم جداً في بعض التخصصات منها: التربية وعلم المعلومات وأنظمتها.

المصطلحان ليسا حديثين إلا أن إدارة المعرفة مصطلح حديث ورد لأول مرة ضمن عناوين الأوراق البحثية التي نشرت في الدوريات العالمية عام 1986، واستمر هذا الظهور بحجم محدود جداً لا يتجاوز الورقتين سنوياً على مدى العشر سنوات التي تلت.

إلا أن عام 1997 شهد نقلة ملحوظة في عدد الأوراق البحثية المنشورة التي يحمل عنوانها هذا المصطلح، فقد بلغ عددها عشرين ورقة بحث. ومنذ ذلك الحين تتزايد عدد الأوراق البحثية، التي يدخل هذا المصطلح في عناوينها، بشكل تصاعدي لتصل إلى ما يزيد على 140 ورقة بحثية في عام 2002.

وإذا استخدمنا نمط الزيادة في ظهور هذا المصطلح، التي يوضحها المنحنى البياني الذي وضعه الباحث السويدي ويلسون (بحوث المعلومات، المجلد 8، العدد 1، عام 2002)، لوجدنا بأن عدد البحوث التي تحوي هذا المصطلح في عناوينها يقرب من 250 بحثاً في عام 2007. ولا يفوت الراصد أن يلاحظ بأن هذا المصطلح قد وُلد مع بداية ما يطلق عليه عصر المعلومات والاتصالات، ونما وينمو باطراد مع نموه وازدهاره.

«البيانات» هي المدخل الأول لصناعة «المعرفة»، فهي المادة الخام التي نستقي منها معرفتنا من خلال عمليات فيها الكثير من التعقيد. «البيانات» بحد ذاتها لا تعني شيئاً غير وجودها الذي قد يتخذ أشكالاً مختلفة، فقد ترد على هيئة رموز أو أرقام أو حروف أو كلمات أو صور أو أفلام أو غير ذلك. وحين تعالج هذه «البيانات» بالأدوات المناسبة لإيجاد صلات سببية أو احتمالية بين عناصرها تتحول إلى بيانات ذات معنى، وهي ما نطلق عليه تسمية «معلومات» التي قد تكون مفيدة وقد لا تكون كذلك.

وحين تصبح هذه «المعلومات» جزءاً من منظومة التفكير والتقدير والتقرير لدى المتلقي، تصبح أدوات فعالة تتكامل مع غيرها من الأدوات الموجودة في منظومته العقلية لتساعده على الإجابة عن سؤال معين أو تؤهله لحل معضلة معينة أو تخدمه في التوصل إلى هدف يسعى إليه، حينذاك تتحول هذه «المعلومات» إلى «معرفة». فهنالك ترابط جدلي بين مراحل اكتساب المعرفة لا يسمح بالقفز على أحدها.

إن أسلوب معالجة «البيانات» قد يكون متشابهاً في كل مكان فهو يجري وفق نماذج متفق عليها، وقد تقوم الآلة بمعظم مراحل المعالجة. أما معالجة «المعلومات» وتحويلها إلى «معرفة» فهو أمر مختلف، فهذه العملية فيها قدر من الخصوصية التي يختلف فيها هذا عن ذاك، وقد تتداخل فيها عوامل كثيرة ترتبط بوعي الإنسان وتراثه الثقافي ودرجة استعداده لتقبل هذه المعلومات وقدرته على وضعها في المكان المناسب في منظومته الفكرية.

إن سيل «البيانات» الجارف يتحول إلى «معلومات» حينما يتناوله المختصون ويعالجونه بالنماذج والأطر النظرية التي بحوزتهم ويجدون صلة الوصل بين عناصر متفرقة ومتباعدة فيه.

وتتحول هذه «المعلومات» بدورها إلى معارف حين يؤثر عليه شيء ما: يهذبها ويشذبها ويبوبها و يكسبها صفة المنظومة القادرة على فعل إيجابي في أحد مجالات الحياة. «المعلومات» تتحول إلى «معرفة» حين يتمكن من يمتلكها، سواء كان إنساناً أم آلة، من تعبيد الطريق أمام من يبغي التقدم.

«المعرفة» هي ما نعرفه، وهي تختلف كماً ونوعاً من شخص لآخر، تتضمن «المعرفة» العمليات العقلية المعقدة المرافقة لآليات الإدراك والفهم والتعلم التي تجري في العقل، وفي العقل فقط، والكثير من هذه العمليات يتضمن التفاعل مع العالم الخارجي ومع الآخرين بدرجات مختلفة وبفترات زمنية مختلفة.

نحن في الحقيقة لا نعرف ماذا نعرف، فمعظم ما درسناه قد غيبه النسيان، ولكن قد يعود بعضه ويظهر فجأة بشكل غير متوقع حين نحتاج إليه أوفي بعض الأحيان حين لا نحتاج إليه، ويبدو أن لدينا القليل من القدرة في السيطرة على المعرفة التي بحوزتنا.

هذا عن المعرفة الظاهرة التي نعرف، إلى حد ما، كيف حصلنا عليها، إلا أن ذلك ليس كل شيء في المجال الذي نتحدث عنه، مجال إدارة المعرفة، فهنالك نوع آخر من المعرفة يقبع دفيناً في أعماق منظومات وعينا لا نعرف كيف حصلنا عليها ولا نمتلك القدرة على التأثير فيها.

هذه المعرفة من الصعب وصفها فهي أشبه بمنظومة قوى على درجة عالية من المرونة قادرة على تحريك عناصر المعرفة الغريزية الكامنة في المنظومة العقلية. وهذا النوع من المعرفة قد يكون جزءاً من آليات عملية الفهم والإدراك المعقدة والتي لا نعرف عنها، في أحسن الحالات، إلا القليل.

من أبرز التحديات التي تواجه واضعو الاستراتيجيات في القرن الحادي والعشرين هو كيفية الاستخدام الأمثل للتطور التكنولوجي في مجال التعامل مع الموارد غير الطبيعية، المعلومات والمعرفة، التي أصبحت ذات أهمية قصوى في التخطيط في جميع مجالات الحياة، ابتداء بالتعليم وانتهاء بالدفاع عن النفس، فسرعة التدفق الهائل في «المعلومات» لا تقابلها سرعة مماثلة في تحويل هذه المعلومات إلى «معرفة».

وفي هذا الصدد يواجه راسمو الاستراتيجية معضلة العلاقة بين صناعة المعلومات وصناعة المعرفة، ومدى التناغم أو الانفصام بينهما، معضلة تقييم الدور التكنولوجي والدور الإنساني، معضلة توفير الدعم المالي بالقدر الذي يحقق التناغم ويمنع تراكم المعلومات.

وفي سياق البحث عن استراتيجية للتعامل مع سياقات المعرفة وإدارتها ينبغي أن لا يغيب عن البال بأن هنالك مداخل مختلفة يقود كل منها إلى أسس مختلفة في النظرة الإستراتيجية. فالعاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات، لا يرون بأن للمعرفة دور مختلف عن دور المعلومات، وفي ضوء ذلك يُختزل مفهوم إدارة المعرفة إلى إدارة تكنولوجيا المعلومات، وتصبح الآلة والخبراء القادرون على تطوير وتوسيع قدراتها، والخبراء القادرون على كتابة البرمجيات المعقدة هم محور الاستراتيجية.

إلا أن إدارة المعرفة تُعنى بمجمل العملية التي تؤدي إلى المعرفة ابتداء من الحصول على البيانات وانتهاء بالحصول على المعرفة وهي عملية تتداخل فيها جهود الآلة مع الجهد العقلي للإنسان، وهي بذلك أكبر كثيراً من مجرد اختزالها إلى أنشطة تكنولوجية، فالإنسان وليس الآلة هو العنصر الأكثر أهمية في صناعة المعرفة وتطويرها. فمن خلال المؤسسات التعليمية والبحثية التي ينخرط فيها أعداد كبيرة من المختصين في حقول المعرفة المختلفة، تتحول المعلومات إلى معرفة رصينة قابلة للتطبيق تخدم خطط التنمية في المجتمع.

الاهتمام بالمعرفة أمر على جانب كبير من الأهمية، فهي ثروة كبيرة ينبغي الحرص علبها من جهة وقوة تغيير مهمة في المجتمع من جهة أخرى.

وهذه القوة لن تكون في أحسن حالاتها ما لم يعالج مكامن الخلل في احدى أهم قنوات صنعها، المؤسسات التعليمية والبحثية التي تشمل المدارس والجامعات ومراكز البحث ودور النشر والترجمة التي تراجع الدعم المالي لها، والتي تراجعت هي الأخرى عن رسالاتها في ظل قيادات محافظة بعيدة عن روح العصر في أطروحاتها ولا تمتلك من الطموح إلا أقله.

كاتب عراقي

ea.ten.setarime@lamajam