سؤال قد يبدو للكثيرين ساذجاً والإجابة عليه بديهية ومعروفة، ولكن على ما يبدو أن الأمر يختلف بالنسبة للبعض ممن اعتادوا بشدة وبكثرة على الكذب حتى أصبحوا هم أنفسهم يصدقون كذبهم .

السيناتور الأميركي من الحزب الجمهوري جون ماكين، أحد الشخصيات التي يرشحها الحزب للرئاسة في الانتخابات القادمة، قال ماكين أمام الكونجرس في الأسبوع الماضي إن الرئيس الروسي بوتين شخص خطر على الأمن والسلام الدولي، لماذا ؟

يقول ماكين «لأنه يرفض نشر الدرع الصاروخي الأميركي في شرق أوروبا» ولهذا فهو خطر على السلام الدولي، والغريب أن مثل هذا التصريح يقال في دولة من المفترض أنها أكثر دول العالم انفتاحا على مصادر المعلومات، ومفترض أن كل من فيها يستطيع بسهولة أن يعرف من هو بوتين وماذا يفعل.

والأكثر من ذلك أن هذا التصريح يقال لأعضاء الكونجرس الأميركي ممثلي شعب أعظم دولة في العالم والعالمين ببواطن الأمور وظواهرها في كل أنحاء العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ويعلمون جيدا أن الرئيس بوتين الذي يريد منه شعبه تعديل الدستور ليبقى في الحكم فترة رئاسة ثالثة يحظى بشعبية لم يحظ بها زعيم في تاريخ روسيا، وأن بوتين أيضا أصبح يحظى بشعبية عالمية كبيرة في كل أنحاء الأرض بسبب وطنيته وصدقه ومواقفه في مواجهة الهيمنة الأميركية.

ويعرفون أيضا أن سياسة الرئيس بوتين ترفض تماما استخدام القوة ضد أي شعب في العالم، وأنها وضعت حدا للحرب في الشيشان وأعادت تعميرها، وأنها ترفض الحرب في العراق وترفض توجيه ضربة لإيران، وترفض تهميش دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وتنادي بديمقراطية الطاقة بحيث يصبح من حق كل دول العالم أن تحصل على ما يلزمها من الطاقة سواء النفط أو الغاز أو حتى الطاقة النووية تحت إشراف منظمات ومؤسسات دولية.

والكثير الكثير عن بوتين والسياسة الروسية في عهده الذي لا يتسع المجال لذكره هنا، فعلى أي أساس يمكن أن نصف بوتين بأنه خطر على الأمن والسلام الدولي؟.

وإذا كان بوتين شخصية خطرة فبماذا نصف الرئيس بوش ؟، وبماذا نصف سياسة الجمهوريين المؤيدين لبوش وإدارته ؟، في أي صفحة من صفحات التاريخ ستجد إدارة بوش مكانها ؟

هذه الإدارة التي قتلت في أقل من أربعة أعوام أكثر من مليون شخص في العراق وأفغانستان وغيرهما بالإضافة لملايين من الجرحى والمشردين خارج أوطانهم، ومازالت تعد وتتوعد بالمزيد من القتلى والدمار والخراب لدرجة أن العالم كله أصبح يعد الأيام المتبقية لها في الحكم وينتظر بفارغ صبر لحظة رحيلها

هذه الإدارة التي أطلقت من الأكاذيب والاتهامات الباطلة ما لم يسبقها إليها أي نظام حاكم في التاريخ، وكثير من هذه الأكاذيب اعترفت بها واعتذرت عنها ولكن بعد فوات الأوان وبعد أن سالت الدماء أنهارا ولم تعد المقابر تكفي للقتلى ولا الملاجئ تكفي اللاجئين ولا المستشفيات تكفي الجرحى .

الرئيس بوتين ينطبق عليه مبدأ المحافظين في الإدارة الأميركية «من ليس معنا فهو ضدنا»، ولا نستبعد أن يخرج علينا من اليمين المحافظ الأميركي قريبا من يتهم بوتين بأنه إرهابي كبير، ولكن كل هذا لا يعني على الإطلاق أن واشنطن تستطيع أن تخضع روسيا لمشيئتها، فالفارق كبير بين روسيا وأية دولة أخرى في العالم بالنسبة لأميركا، روسيا إن لم تكن الأغني فهي من أغنى دول العالم بمواردها الطبيعية وثرواتها.

وهي ملكة الطاقة الآن على الساحة الدولية وتملك ثاني أكبر إنتاج وثاني أكبر احتياطي من النفط، وأكثر من ثلث الإنتاج العالمي من الغاز، ومن أكبر ثلاثة منتجين للطاقة النووية في العالم، وتملك ثاني أكبر ترسانة عسكرية في العالم وإحدى أكبر ترسانتين نوويتين، وتملك طاقة علمية هائلة.

وتملك أيضا نظام حكم وطني ومخلص لوطنه لا يعمل إلا لمصالح بلاده، وتملك فوق كل ذلك وأهم من كل ذلك إرادة سياسية مستقلة لا تخضع لأية قيود أو ضغوط خارجية، وبالتالي فإنه لا حيلة لليمين المتشدد في واشنطن إلا أن يشوه سمعة بوتين وروسيا لعل وعسى أن يؤثر ذلك في علاقاتها بالدول الأخرى، أو لعل الدول والأنظمة التي تخشى واشنطن تبتعد عن روسيا خشية غضب واشنطن، وهذا في الواقع هو الهدف من الكذبة المكشوفة التي تصف بوتين بأنه خطر على الأمن والسلام الدولي .

elmoghazy@hotmail.com