لا أقصد بهذا العنوان الحوار مع الآخر البعيد عنا، وغير المتجانس معنا كلياً على مستويات مختلفة وفي الطروحات المختلفة، إنما سأحيد عن هذا السبيل الذي لا يخلو من وعورة، وسأتخذ سبيلاً آخر لا يقل عنه وعورة، ويبدو لي أن درجة الاهتمام به والتركيز عليه أقل إلى حد مما يحظى به الأول، وأنطلق فيه من خلال ما أشاهده عياناً في قاعات الدرس، وفي بعض المؤتمرات والندوات العلمية، وعلى صفحات المواقع الالكترونية المختلفة.
واضح من تحديد المصادر التي استقيتُ منها تصوري عن الجانب الذي سأتناوله من الجوانب التي يحتملها موضوع الحوار والاختلاف أنني أركز على الاستعمال الأبسط ـ نظرياً ـ لهذه الآلية في التواصل مع الآخرين الذين هم جزء منا ونحن جزء منهم، ولكنه قد يكون الأهم والأكثر تعقيداً على المستوى التطبيقي، إذ لا أقصد مجرد التحاور اليومي الذي لا يكون إلا لأسباب وأهداف تواصلية نفعية غالباً، بل أقصد الحوار الفكري المتبادل فيما بيننا، ومدى قدرتنا على خوض محاورة والخروج منها دون أن نكون قد خسرنا شيئاً ـ أو شخصاً ـ !
ويمكنني أن أزعم مبدئياً أننا لم نتعلم فن الحوار وأصوله، وأننا نفتقد هذا الجانب التواصلي المهم الذي يعد طريقة مهمة من طرائق البناء المعرفي والفكري بصورتيه الأولية والمتقدمة، والدليل على ذلك يمكن أن نجده حاضراً في قاعات الدروس ـ ربما يتضح هذا في المستوى الجامعي، ولكنه على كل حال ثمرة غرس المستوى السابق وهو التعليم العام ـ ، إذ لا يتقبل الطالب ـ أو الطالبة ـ رأي طالب آخر، ويتقصد التقليل منه والإساءة إليه بتحقير رأيه إما بشكل مباشر، أو غير مباشر من خلال استعمال أسلوب الكناية والتعريض. وفي أحيان كثيرة قد يصل الأمر إلى استعمال الألفاظ غير اللائقة، والتنابذ، وغير ذلك، كل هذا يحدث بسبب اختلاف في الآراء، ووجهات النظر وزواياه!
الصورة نفسها سنجدها في قاعات أي مؤتمر أو ندوة علمية عربية، فاختلاف الآراء هو سيد الموقف بلا منازع، وهذا شيء جيد وصحي، ومن شأنه أن يدفع عجلة النقاش إلى الأمام لو كان يتم مع الالتزام بأدبيات الحوار، لكن عندما يحدث بطريقة تجعل كل شخص يبدأ في استعراض مناقبه الشخصية، وتسفيه جهود الآخرين، والاعتماد على أسلوب التجريح الذي يعني الابتعاد عن العلمية والموضوعية في الرد، فإن النتيجة الطبيعية هي ضياع كل شيء: ضياع الموضوع الأصلي موضع النقاش.
وضياع جهود الباحث أو المحاضر، وضياع وقت الحضور الذين يعنيهم الموضوع ولكن لا تعنيهم هرطقات بعض المتحذلقين الذين لا يحسنون فهم ما يُطرَح أمامهم، ولا تسعفهم قدراتهم الذهنية على فهمه عند إعادة طرحها أمامهم بشكل آخر، إلا أنهم يرون أنفسهم فوق الفهم والإفهام. إن هذا الذي يحدث في قاعات كثير من ندواتنا ومؤتمراتنا العلمية هو النتيجة الطبيعية لعدم ممارستنا الصحيحة لفن الحوار منذ نعومة أظفارنا، لذلك فإن عدم قدرتنا على القيام بذلك ونحن كبار أمر لا يدعو للعجب إن عُرف السبب.
في قاعات الاجتماعات الرسمية نجد الصورة ذاتها، سوء استخدام لآلية الحوار بحيث يضيع الهدف من الاجتماع بسبب الانخراط في بعض الحوارات التي تتم بطريقة خاطئة، لا تعتمد على الرد على الفكرة بالفكرة، والحجة بالحجة، والمنطق بالمنطق، بل تتم باللا منطق إن جاز هذا التعبير، فيضيع الحق والباطل، وتنتهي كثير من الاجتماعات دون التوصل إلى نتيجة حقيقية، والغريب في الأمر أن بعض «المجتمعين» قد يتناقشون إلى وقت يمتد حتى ساعات في بعض النقاط الشكلية ويتركون الأفكار الجوهرية دون مناقشة، أو يناقشونها بسطحية في الدقائق الأخيرة بعد أن ينال منهم التعب، ولا يتمكنون من الاستمرار في لجاجهم.
والأغرب من ذلك أن بعضهم قد يثور ويرفض أي رأي يُطرَح أمامه دون أن يقدم البديل، الذي لا يمتلكه على ما يبدو، ويستخدم الكلمات «الكبيرة» وبصوت عال، ولكنه لا يبين ما الذي يرفضه، وما الذي يريده، وكأنه يريد فقط أن يسجل حضوره، أو أن يكون طرفاً في النقاش الذي يحدث أمامه، حتى إن لم يقل شيئاً مفيداً.
وهنا أرى أن سلوكيات الناس ـ المتعلقة بفن الحوار ـ تنقسم قسمين: أحدهما يتضمن أولئك الذين يجيدون فن الحوار، ويحسنون الاختلاف مع الرأي الآخر، دون الخوض في مواجهات عقيمة غير مثمرة، ويكفي أن يستطيع المرء أن يعرض وجهة نظره المخالفة للرأي المطروح بحكمة واتزان مع إبداء احترام واضح للآراء المخالفة ـ التي لا تمسّ الثوابت الدينية والعرفية ـ كي يكون ضمن هذا القسم، وهو على كل حال قسم خارج نطاق هذه السطور.
أما القسم الثاني فيتضمن أولئك الذين لا يستطيعون التحاور مع الرأي الآخر بنجاح، وينقسم بدوره قسمين: أحدهما هو الذي يمتلك رأياً مخالفاً، وله أسبابه، ولكنه يعرض رأيه بعصبية وتشنج، مع عدم احترام الرأي الآخر، مما يفقد آراءه قيمتها، لأن الناس غالباً ما تنفر من أصحاب السلوك الحاد في المناقشات. وقسم آخر يخالف دون أن تكون له أسبابه الواضحة، ودون أن تعكس آراؤه وأسبابه قناعات شخصية ثابتة، فهو مجرد صوت، مفرغ من كل قيمة، ولا يحتاج محاوره إلى كثير وقت كي يفهم ذلك.
وكل هذا قد انتقل معنا من حياتنا اليومية «الواقعية» إلى حياتنا «الافتراضية»، وأصبحت مواقع الإنترنت والمنتديات خصوصاً مرتعاً خصباً لكل من يحب أن يبدي رأياً، أيّاً كان هذا الرأي، وأيّاً كانت قيمته.
ولو ألقينا نظرة سريعة وعاجلة على أي موقع ـ حتى المواقع الجادة والأصيلة ـ سنجدها تمثل واقع فقه الحوار والاختلاف عندنا أفضل تمثيل، فكل فلان يرد على علان، ولكنه الرد المبني على العصبية، وعلى الحساسية الزائدة تجاه بعض الكلمات أو الإشارات، حتى غير المقصودة، وكثير منها يبتعد عن مضمون الموضوع الأصلي الذي يحدث التعقيب عليه، وينحو نحو جهة أخرى لا تقترب من الموضوع الأصلي.
وكأن كل شخص يريد أن «يجرّ» الموضوع إلى حيز اهتمامه، أو إلى المساحة التي يستطيع أن يتحدث فيها على نحو موسع، وهذا يذكرني بقصة ـ أظنها خيالية ـ كان أحد الأساتذة الأفاضل قد ذكرها أمامنا عندما كنت أدرس في الجامعة، وهي تدور حول طالب مادة أحياء غير مجتهد، عندما حان موعد الامتحان كان لديه درسان أحدهما عن الثعبان، والآخر عن الفيل، ولم يدرس إلا درس الثعبان فقط، ودخل الامتحان ليتفاجأ بأن سؤال الامتحان كان يطلب منه التحدث عن الفيل، فما كان منه إلا أن «يجرّ» الموضوع إلى الحيز الذي يعرفه.
فقال إن الفيل حيوان ضخم له خرطوم طويل يشبه الثعبان، والثعبان هو.. ثم أخذ في الحديث المسهب عن الثعبان الذي يعرفه جيداً لأنه درسه! إن كثيراً مما يحدث في حواراتنا يشبه هذا المثال، وهذا هو سبب عدم جدوى الحوارات، وإذا فكرنا في الغاية من التحاور في قاعات الدرس، أو في الندوات والمؤتمرات العلمية إذ يُخصص وقت للمناقشة، وفي الاجتماعات الرسمية، لوجدنا أن الغاية من الحوار والنقاش في كل هذا هو بحث الموضوع، وإثراؤه بآراء مختلفة.
ورفده بما قد يغيب عن ذهن الشخص الذي طرحه، لا أن يستعرض كل شخص آراءه مع كثير تعظيم لها، مع تسفيه آراء الآخرين، أو أن يطرح جوهرها بعيداً ويثير زوبعة نقاش حول بعض الشكليات التي لا علاقة لها بالمضمون الأساسي. وهذا يعكس خللاً في فهمنا لآلية الحوار وطريقة الاختلاف مع الرأي الآخر وأسلوب التعامل معه.
ولا أظن أن هذا الخلل وليد لحظة أو موقف عابر لدينا ـ مع ملاحظة عدم تعميم الكلام كما سبق أن ذكرت ـ بل هو ثمرة الأسلوب الذي يتعلمه الناس بالمشاهدة اليومية لطرائق التحاور والتواصل الفكري بين من هم أكبر منهم عمراً وقدراً، فتتشكل لديهم الطريقة ذاتها في التواصل بلا وعي، وهذا يتطلب منا أن نبدأ في التأسيس الواعي لمفاهيم الحوار والتواصل والاختلاف لدى أجيالنا القادمة، من خلال المناهج الدراسية على نحو مباشر على الأقل كمرحلة أولى.
بحيث نلفت انتباههم إلى هذا الأمر، حتى يكونوا على وعي بما يستدخلونه بطريقة لا واعية ودون إدراك لخطورته، لذلك من الضروري أن نغرس أصول الحوار في أذهانهم الغضة منذ نعومة أظفارهم، كي يتمكنوا من ممارسة تلك المعرفة النظرية خلال سني نشأتهم فيكبروا عليها، وبذلك نؤهلهم للحوار مع الآخر المختلف عنا وغير المتجانس معنا بطريقة سليمة ومتزنة، وبعيدة عن أي تعصب أو تشنج.
جامعة الامارات