منذ أكثر من عقدين من الزمن، ذاع صيت التقرير الذي أصدرته المجامع التربوية في الولايات المتحدة بعنوانه الشهير «أمة في خطر»، ومنذ أقل من أسبوعين.. صدر تقرير آخر يمكن أن يحمل عنوان «كوكب في خطر»، التقرير الأول عمد إلى التحذير من تداعي مستوى التعليم في أميركا.. ويومها أصبحت تحذيراته على كل لسان..
أما التقرير الأخير فهو يحذر من أخطار لا تقتصر على أميركا وحدها ولكنها تنسحب على كوكب الأرض بشكل عام وإن كانت سطور ذلك التقرير تركز بالذات على الخطر المحدق بأحوال محيطات وبحار عالمنا التي تغطي ـ كما هو معروف ـ 70 في المئة من سطح الأرض، وقد شاء لها مبدعها سبحانه وتعالى أن تكون مستقرا وموئلا لفصائل وكائنات بالغة الروعة شديدة التنوع من أنواع الحيوان والنبات التي يعد وجودها وتكاثرها جزءا من معادلة التوازن الأيكولوجي الذي تقوم عليه بيئة العالم ـ الكوكب الذي نعيش فيه.
ولقد توفر على إعداد التقرير الذي نشير إليه في هذه السطور أربعة من كبار العلماء الاختصاصيين في انجلترا في مجال الاشيانوغرافيا ـ علم دراسة المحيطات.. وعلى رأسهم أستاذة باحثة هي البروفيسور «ميشيل ألسوب» فيما تولى إصدار ونشر التقرير «معهد مراقبة أحوال الأرض» (وورلد ووتشي) الذي يتخذ مقره في واشنطن، وفيما يجمل التقرير نذيره في عبارة «محيطات في خطر» فهو يتحول من مجرد النذير إلى دعوة يجملها بدورها في عبارة «حماية تنوع بيئة الأحياء البحرية»، هؤلاء العلماء ومَنْ في حكمهم من الباحثين الحادبين على أحوال كوكبنا ومحاولة مداواته مما ألمّ به من أوصاب ـ يستهلون دراستهم بتأكيد حقيقة ساطعة مثل ضوء الشمس تقول بالحرف:
إن التنوع البيولودي لموائل البيئات البحرية التي تعيش فيها الكائنات البحرية أصبحت مهددة من جراء الأنشطة التي تباشرها كائنات برية أخرى هي: نحن، والمعنى البديهي، كما يضيف الأساتذة الانجليز، هو أن البشر هم أخطر من يهدد سلامة المحيطات والبحار بفعل ما «يقترفونه» من أعمال ومنها: الصيد الجائر في إسراف يبلغ مستوى الإهدار فما بالك باستخدام طرائق ومعدات مدمرة للصيد.. هذا فضلا عن إغراق البيئات البحرية بالملوثات الكيماوية بالذات والتوسع غير المحسوب وغير الرشيد في الزراعات المائية التجارية.. دع عنك الآثار الناجمة على بحار الأرض ومحيطاتها بفعل تغيرات المناخ وزيادة العناصر الحمضية التي أصابت مسطحات الغطاء المائي في كوكبنا.
وكان طبيعياً أن يجمع المنهج العلمي الذي اتبعه الأكاديميون واضعو هذا التقرير بين البحوث المعملية ـ المختبرية وبين الاستقصاءات الميدانية التي جابت البيئات البحرية المهددة وخاصة في المحيطين الهندي والهادئ، بقدر ما كان طبيعيا كذلك أن تخلص الفصول الأربعة التي احتواها التقرير إلى فصل ختامي ـ خامس تتصدره دعوة تقول: «الحرية للبحار»، بمعنى ضرورة تخليص بحار العالم من براثن الخطر الجسيم المحدق بها.
وفيما يعترف التقرير بأن ثمة حكومات ودولا حاولت أن تواجه مثل هذه الأخطار.. فهو يؤكد بصورة موضوعية على أن مثل هذه الجهود مازالت تفتقر إلى الفعالية الكافية بدليل استمرار الخطر إلى حد الاستشراء الأمر الذي يستوجب بالتالي ما يمكن وصفه بأنه «الإدارة الرشيدة لأحوال المحيط».
أول إجراءات هذا الترشيد يتمثل في إنشاء شبكة عالمية - كوكبية للسهر على حفظ وحماية البيئات البحرية بكل ما تحفل به من أنواع مهددة بالانقراض من الحيوان أو النبات أو الموارد ـ الرسوبات المعدنية. صحيح أن العالم يحوي الآن نحو 4 آلاف منطقة بحرية محمية ومصانة من غوائل الاستغلال التجاري..
غير أن العالم يظل بحاجة إلى أن تتوسع مثل هذه المناطق لتشمل أقاليم أعالي البحار ولاسيما المناطق التي تتجاوز حدود الولاية القضائية والسيادية للدول وتخرج بالتالي عن نطاق مياهها الإقليمية. لقد استغرق العالم نحوا من 30 سنة لكي يصل إلى الحجم الراهن من تلك المحميات البحرية.
لكن مع تفاقم الأحوال وتَسَارُع درجات التلوث، والنضوب المطرد في موارد محيطات الدنيا ـ فقد بات الأمر يقتضي اتخاذ مبادرات عالمية أشد حزما وأعمق وعيا ودراية بمغبة الأخطار المحدقة والمتربصة.
وربما يصل الأمر إلى الدعوة لإسباغ هذه الإجراءات الحمائية على نسبة 50 في المئة من محيطات العالم وبحاره وتلك خطة غاية في الطموح بقدر ما أنها عظيمة الجدوى من أجل الحفاظ على حقوق أجيال البشرية في المستقبل وأيضا بقدر ما أنها تقتضي بالضرورة اتفاقات دولية تبرم على مستوى الأمم المتحدة وتلحق بها بروتوكولات وآليات ناجعة للتنفيذ مشفوعة بعقوبات ناجزة وصارمة لابد وأن تدخل في متن القانون الدولي الذي استطاع أن يبلور هذا الجانب في وثيقة بالغة الخطورة تحمل اسم: اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (إنكلوز).
على أن التقرير الذي نعرض لمضمونه يدعو إلى توسيع إطار الاتفاقية الدولية المذكورة لكي يتضمن الاتفاق على حماية أعالي البحار لكن على أساس من مبادئ الإنصاف في مراعاة حقوق الدول.. ومساواة الدول.. صغيرها وكبيرها في السيادة بوصفه مبدأ أصيلا من مبادئ القانون الدولي المعاصر. وينطوي هذا الجانب بدوره على ممارسة مركزية الرصد والمتابعة من خلال جهاز دولي يكلف بهذه المهام ـ الكوكبية إن شئت التدقيق..
وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة في آخر انعقاد لها (ديسمبر 2006) اعتمدت عددا من التدابير الرامية إلى حماية النظم الأيكولوجية - البيئية في أعماق البحار وخاصة لوقف استخدام شبكات الجر (ترولر) التي تدمر النظم الاحيائية في تلك الأعماق.
يرتبط بهذا أيضاً ضرورة تغيير الأحوال في أسواق تداول المنتوجات البحرية.. بحيث تتفق الدول من خلال صكوك ملزمة لكل منها ـ على وسْم وتوصيف ولصق علامات خاصة تحدد منشأ كل من تلك المنتجات المطروحة للتداول في السوق.. وطريقة صيدها وتواريخ الحصول عليها من قاع البحر المحيط.. والحاصل فعلا أن ثمة سلاسل عملاقة من المتاجر المتخصصة في هذا المجال في كل من انجلترا وأميركا وافقت على هذه الإجراءات التي من شأنها ترشيد وتقنين استخراج هذه النواتج البحرية وطرحها في أسواق الاستهلاك دون تعرّضها للإهدار أو الانقراض.
في مجال مكافحة التلوث ينبه التقرير إلى أهمية تفعيل صك دولي نراه غاية في الأهمية بعد أن جرى إبرامه منذ ثلاث سنوات وهو اتفاقية ستوكهولم بشأن الملوثات العضوية المزمنة (تعرف باسم اتفاقية بوب التي دخلت حيز السريان في مايو عام 2004)، وفيما ترمي الاتفاقية المذكورة إلى تخفيض، ومن ثم إلى حظر إلقاء المواد الكربونية الأصل في مياه البحار والمحيطات فقد بات مطلوبا أن تتوسع محظوراتها بحيث تشمل نفايات كيميائية أخرى سمّية المحتوى من شأنها كذلك إلحاق أضرار مهلكة بأنواع النبات والحيوان في تلك الأغوار.
في كل حال تنّبه الدراسة التي نتكلم عنها إلى ضرورة اتباع نهج في هذا المضمار يقوم على دعامتين جوهريتين هما: مبدأ العدالة في معاملة الدول الأطراف، منطق الاستدامة الذي لا يقتصر على المنع أو حتى الحماية من الضرر بل يتعدى ذلك إلى الطموح نحو تهيئة السبل نحو المزيد من انتعاش البيئات البحرية وزيادة توالدها وتكاثرها لما فيه مصلحة الإنسان.
وبديهي أن أعمال هاتين القاعدتين لا يتم إلا من خلال إدارة واعية وراشدة تتوسل بالعلم وتنطلق من أرضية التوافق الدولي وتوظّف جهود الوكالات والمؤسسات المتخصصة المنضوية ضمن منظومة الأمم المتحدة وخاصة مؤسسة «السلطة الدولية لقاع البحار» التي تتخذ مقرها حاليا في مدينة كنغستون عاصمة جامايكا بمنطقة البحر الكاريبي.
مع هذا كله نلاحظ أن تقرير «المحيطات في خطر» ينهي سطوره بلمحة متفائلة ـ أو بالأدق غير محبطة وغير متشائمة عن آفاق المستقبل. يقول في هذا الصدد: «رغم أن حالة المحيطات في كوكب الأرض ما برحت تعاني حالة من التدهور السريع خلال السنوات الأخيرة إلا أنه يتوافر لدينا المزيد من القرائن العلمية بإمكانية وقف المسار السلبي لهذا التدهور.. لكن بشرط اتخاذ الإجراءات الدولية المشتركة التي ألمحنا إليها على أساس من قاعدتي الإنصاف والاستدامة»®.
بغير هذه الإجراءات العاجلة ـ يخلص واضعو التقرير ـ فلسوف يكتب على أجيال المستقبل مغبّة الحرمان من أن تنعم بخيرات الحياة التي تزدهر وسط المياه الدولية لمحيطات كوكبنا.. والتي مازالت تعد أعظم ما تبقى لدينا من خيرات وأنعم سابغة نعم بركاتها سائر البشر بغير استثناء.
كاتب مصري