شكل عباس الفاسي زعيم حزب الاستقلال المغربي حكومته بعد طول عناء، وتشكلت هذه الحكومة من 4 أحزاب تشكل أغلبية في البرلمان وهي: الاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار (يمين)، وحزب التقدم والاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي للفوات الشعبية (يمين). وأسندت إلى حزب الاستقلال ـ الذي تصدر الانتخابات البرلمانية بحصوله على 52 مقعداً ـ وزارات الإسكان والبيئة والصحة والشئون الاقتصادية والشئون الحكومية والشؤون البرلمانية.

إضافة إلى وزارتي النقل والماء. أما حزب الاتحاد الاشتراكي للفوات الشعبية، فأهم الوزارات التي أسندت إليه هي الثقافة والعدل ومتابعة شئون الجاليات المغربية في الخارج.

وتولى حزب التجمع الوطني للأحرار وزارات المالية والصناعة التقليدية وشؤون الشباب والرياضة والسياحة وتحديث القطاعات، بالإضافة إلى وزارتي الطاقة والمعادن وشؤون الفلاحة، وحصد التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات 38 مقعدا.

أما حزب التقدم والاشتراكية فأسندت إليه وزارتا الشؤون العامة والتضامن والاتصال. وبالنسبة للوزارات السيادية (الخارجية، والداخلية، والدفاع، والشؤون الإسلامية، إضافة إلى الأمانة العامة للحكومة) والتي يعينها العاهل المغربي، فقد تم إسنادها إلى شخصيات مستقلة. وبذلك يصبح حزب العدالة والتنمية ـ ذو الجذور الإسلامية.

والذي رجحت توقعات سابقة أن يكتسح الانتخابات هو حزب المعارضة الرئيسي في البرلمان. وكان «العدالة» قد حل في المرتبة الثانية بعد الاستقلال بحصوله على 47 مقعدا، لكنه حل أولا بالنسبة لعدد الأصوات التي حصل عليها، نظرا لخصوصية النظام الانتخابي بالمغرب.

وإذا كانت الحكومة المغربية قد تشكلت أخيرا بعد مشاورات مضنية قام بها رئيس الوزراء، فان هناك دلالات يمكن استنتاجها من التشكيل أولها يتلقى باستمرار دور القصر الملكي في تعيين قسم من الوزراء بالمخالفة للدستور حيث يطلق على هذه التوجه مسمى التقاسم بين الملك ورئيس الوزراء.

حيث تتميز الحكومة المغربية منذ عقود بتقاسمها من قبل الملك ورئيس الوزراء، حيث يعمد الملك إلى تعيين عدد من وزراء الوزارات السيادية. ويعود العمل بتعيين وزراء السيادة إلى عهد الملك الراحل الحسن الثاني، وذلك عندما رفض الأمين العام السابق لحزب الاستقلال محمد أبوستة دخول وزير الداخلية السابق إدريس البصري ضمن تشكيلته الحكومية.

غير أن الملك الراحل أصر على بقاء وزيره، وألقى خطابا اعتبر فيه المس بوزارة الداخلية مسا بالسيادة. ومنذ ذلك الوقت والملك المغربي يعين وزراء السيادة في قطاعات الدفاع والداخلية والخارجية والأمانة العامة للحكومة والأوقاف والشؤون الإسلامية والعدل. وفي الحكومة الأخيرة التي ترأسها إدريس جطو تخلى القصر عن وزارة العدل فتولاها وزير من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وهذا الأمر مازال محل نقد من قبل النخبة المغربية سواء لرئيس الحكومة أم للقصر الملكي حيث يعتبره الفقهاء الدستوريون مخالفا لأحكام الدستور ويعتبره علماء السياسة انتقاصا من سلطة رئيس الوزراء.

ومن اجل إيجاد مبرر لهذا السلوك من المؤسسة الملكية أطلق الفقهاء الدستوريون على مثل هذه الأعمال مصطلح «الدستور الضمني»، أي مجموع القواعد والتقاليد التي يجري بها العمل ويسكت عنها النص الدستوري وتحظى بالقبول والثبات في الأوساط السياسية.

ولكن بعيدا عن هذه التفسيرات أو المبررات فإن هذا الوضع يؤكد ما اتفق عليه معظم المحللين السياسيين المهتمين بالشأن المغربي وهو أن المؤسسة الملكية يحظى بثقل مركزي في النظام السياسي، وذلك على الرغم من أن النظام السياسي المغربي أكثر كفاءة ومرونة وديمقراطية من أنظمة سياسية عربية أو عالم ثالثية، وهى أنظمة لم تطبق فلسفة تداول السلطة كما تطبقها المملكة المغربية في الوقت الراهن.

وهذا الأمر يعنى أن التوازن السياسي المغربي مازال على حاله، خاصة وان الأحزاب المشاركة في الحكومة المغربية مازالت هي نفس الأحزاب، وهو ما يؤكد استقرار الحالة المغربية في الوقت الراهن وهو استقرار قد يستمر للسنوات الخمس المقبلة. ولكن على عباس الفاسي رئيس الحكومة المغربية أن يقلق منه هو الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت من الإضرابات العمالية عن العمل بمثابة طقس متعارف عليه في المغرب.

وتستمد هذه الأزمة أهميتها من مصدرين الأول أن الأحزاب السياسية بكافة توجهاتها لم تستطع التعامل معها بنجاح، وهو ما سبب تراجعا في اهتمام المغاربة بالشأن السياسي. والثاني أن هذا الفشل في مواجهة الأزمة الاجتماعية عادة ما يكون احد الدوافع الأساسية في اتجاه الناخبين في بلد ما إلى اختيار مرشحي التيار الأصولي.

ومن النقطة الأخيرة نستطيع القول إن واحدة من المهمات غير المعلنة لحكومة عباس الفاسي هي تهميش التيار الأصولي من خلال السياسات التي تسير عليها الحكومة فيما يتعلق بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي ومن هنا يستأثر الجانب الاجتماعي بحيز مهم في أجندة برنامج الحكومة المغربية، ومن هنا نفهم تأكيد عباس الفاسي أن هذا الهاجس سيظل حاضرا بقوة كأحد الملفات الأساسية المطروحة على حكومته الجديدة.

وإذا كان الفاسي قد استطاع أن يتجاوز المهمة الأولى والصعبة التي ألقيت عليه والمتمثلة في تشكيل الحكومة خاصة في ظل عدم رضاء أحزاب كثيرة بالحصة التي خصصت لهم وفقا لما حصلوا عليه في الانتخابات التشريعية، فان المهام الكبرى الأخرى تمثل الصعوبات التي عليه أن يتعاطى معها في أعقاب هذا التشكيل. وهى صعوبات تتعلق بمستقبل النظام السياسي المغربي خاصة مع التقدم الذي يحققه حزب العدالة والتنمية الاسلامي من فترة لأخرى.

ويمكن أن يكون مسار الأحداث المقبلة وفى ظل تطبيق سياسة التناوب على السلطة في المغرب هو أن يتولى العدالة والتنمية الحكومة المغربية أو أن يشارك فيها مستقبلا، خاصة وان أداء الحزب في المعارضة يمكن أن يمهد له الطريق لكي يحسن من وضعه الشعبي ولكن ذلك مشروط بفشل حكومة الفاسي في أداء المهام المنوط بها أن تحققها. وهذا الأمر يعنى أن المهمة الصعبة الأكبر إمام هذه الحكومة قد بدأت، فهل تنحج فيها؟

كاتب مصري