منتصف يناير الماضي كانت جامعة القاهرة على موعد مع زائر غير معتاد، دخل الجامعة بسيارة بيضاء تحمل لوحات هيئة سياسية تابعة للسفارة الأميركية، وكان بصحبته ثلاثة من المسؤولين فيها، وربما نظر من وراء زجاج سيارته المظلل إلى طلبة يطلقون لحاهم حالماً بأن يعتمروا ذات يوم القلنسوة اليهودية ولماذا لا وقبل مئة سنة كانت الدولة الصهيونية مجرد حلم، الآن صارت واقعاً ليس فقط على خرائط المنطقة.

وإنما يعتبرها الساسة الغربيون واحدة من الأركان الرئيسية في هذا العالم، طمأنة لها تجرد الغزوات وتشن الحروب وتصاغ السياسات وتتبدل القيم وتنتهك الأعراف والمواثيق، ويموت الضمير الإنساني، نعم يموت فداء لإسرائيل .

لم يكن الزائر سوى روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، وبدلاً من إلقاء محاضرة عن التحديات التي تواجه السياسة الأميركية، فاجأ الجميع وطالب بتخصيص مقرر في مناهج التعليم بالعالم العربي لتدريس الهولوكوست. وقتها كان يمكن الدعوة مجرد خيال مأفون لرجل صهيوني الهوى والعقيدة ..

لكن رعاية السفارة الأميركية التي تفوق المعتاد له، واكتشاف أن رحلته مولتها الخارجية الأميركية أضاء الأنوار الحمراء في عقول الطبقة المثقفة المصرية، فأخذوا يهاجمون ساتلوف ومن دعاه إلى مصر ومكنه من تدنيس حرم جامعة القاهرة التي تعد معقلاً للتظاهرات ضد ممارسات إسرائيل.

مطالبة ساتلوف اتضح أنها لم تكن سوى قمة جبل الجليد، فبالتوازي شنت شارلوته كنوبلوخ رئيسة المجلس الأعلى لليهود في ألمانيا هجوماً على طريقة تدريس التاريخ في المدارس الألمانية وطالبت بتخصيص منهج قائم بذاته للهولوكوست رغم أن تلاميذ المدارس يدرسون بشكل إجباري تاريخ الحقبة النازية بما فيها الهولوكوست التي تدخل أيضا في مناهج أخرى بينها اللغة الألمانية والعلوم السياسية والاجتماعية وعلم الأخلاق والدين،

كما أن المحرقة (المزعومة ) تمثل واحدة من أهم الأشياء في البرنامج التدريبي لمعلمي المدارس. واستفزت دعوة رئيسة المجلس الأعلى لليهود رئيس اتحاد المعلمين الألمان يوزيف كراوز فقال : إنه لا يتم تدريس أية فترة أخرى في التاريخ الألماني في المدارس بنفس الدرجة المكثفة التي تدرس بها الحقبة النازية، وليس منطقياً ولا ممكناً تسليط كل الضوء على 12 عاماً من التاريخ الألماني وإهمال 12 قرناً أخرى من الزمان.

الجماعة الصهيونية العالمية رأت أن الوقت مناسب تماماً لإحداث نقلة جديدة في وعي العالم، فاليمين المتطرف يزحف نحو مقاليد السلطة أو امتلكها بالفعل في عواصم القرار العالمية، وعلى رأسها ألمانيا التي نقضت فيها ميركل كل ما غزله غيرهارد شرودر من محاولة لسياسة خارجية ألمانية موضوعية وتتحلى بقدر من العدل،

وفرنسا التي انقلب فيها ساركوزي (ذو الأصول اليهودية) على كل إرث سلفه جاك شيراك، وبعد أن كانت باريس وبرلين شوكتان في حلق أميركا أصبحتا من أقرب أنصار اليمين المحافظ الذي يحكمها، وساعد على ذلك أن السياسة الخارجية الأميركية موظفة (أو بالأحرى مختطفة) لخدمة المشروع الصهيوني.

وعلى حد ما ذكره د.محمد السعيد إدريس الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فإن واشنطن في هذا السياق حاولت إحداث تغييرات سياسية في هيكلية السلطة بالدول العربية بحيث تدفع بالأشخاص الذين يرحبون بالتطبيع مع إسرائيل إلى مواقع تجعلهم قادرين على التأثير الفعال في القرار السياسي.

ولم تكن النقلة التي تحاول الصهيونية العالمية فرضها غير تخصيص مقرر دراسي في المناهج التعليمية عن الهولوكوست، وإلزام كل دول العالم بتطبيقه عبر الأمم المتحدة والضغوط الأميركية (بنوعيها الناعم والخشن)، تحت زعم أن العالم أجمع مسؤول ومشارك فيما حدث لليهود في ألمانيا .

وبالفعل شمر جهاز الأمم المتحدة أكمامه وبدأ عملا جدياً لتحقيق المطلب اليهودي- الأميركي الذي سيتسع المطالبون به بانضمام الاتحاد الأوربي تحت ضغوط ساركوزي وميركل، وبدأ إحساس بالخطر بين المسؤولين العرب الذين يتهامسون ويحاولون تنسيق الخطى سرا حتى لايثيروا غضب الحليف الأميركي ويفكرون في طريقة لوقف هذه الجريمة الأممية التي تمثل اجتزاء وتزويراً لا سابق له، وبكلمات ساتلوف

فإن الوعي العالمي ينبغي أن يقر لإسرائيل بفعل ما شاءت بالفلسطينيين دون محاسبة، لأنهم ـ الإسرائيليين- يملكون «ذاكرة خوف» لم يفلح في محوها إنشاء دولة يهودية عام 1948 ولا احتلال ما تبقى من فلسطين

إضافة إلى أراضي دولتين عربيتين في حرب عام 1967، ومطلوب من الطرف العربي أن يستبدل ذاكرته المليئة بالجرائم الإسرائيلية والأميركية تجاه العرب بعذابات اليهود في محرقة مشكوك في صحة أرقام ضحاياها وفي حدوثها أصلاً.

الاتجار بالهولوكوست كان وسيلة يهودية ناجعة لاستلاب عقول الأميركيين وابتزاز أموال الأوروبيين، فلماذا لا يتم تجريب السلاح نفسه على العالم كله .. أليس ما يجري تحقيقاً لما ورد في بروتوكولات حكماء صهيون ودليلاً جديداً على صحتها؟. فبمن يستنجد الطرف العربي وإلى من يحتكم والعالم كله تحكمه نجمة سداسية مظلمة ؟

magdishendi@hotmail.com