اثبت التاريخ أن الهولوكوست ربما هي أفضل ما حدث لليهود حتى الآن وذلك لاستفادتهم القصوى من هذه الحادثة التاريخية التي لا يزال يشكك فيها كتّاب التاريخ ويسقط بعضهم ادعاءات اليهود والأرقام الضخمة التي أبيدت في المحرقة إبان الحكم النازي.

وحديثا استطاعت الجماعات اليهودية أن تكسب ود الأمم المتحدة وإقناعها بأهمية تدريس «الهولوكوست» ضمن المناهج الطلابية في العالم، فذهبت الأخيرة إلى عقد الاجتماعات والمشاورات قبل أن تأخذ الفكرة مجراها للتنفيذ، وإذا كانت من أسئلة يمكن أن تضع هذه الخطوة في مدار الاستفهام،

فالسؤال البديهي هو ماذا يستفيد العالم من التعاطف مع اليهود الذين احرقوا في ألمانيا النازية، وهل يمكن تعميم تجربة دراسة المذابح والمجازر التي ارتكبت في العالم اجمع حتى نوجد حدا ادنى من المساواة في التعاطف تجاه شعوب العالم؟

ولعل الهولوكوست قد لقيت من الاهتمام العالمي ما لم تلقاه كثير من المجازر العالمية التي راح ضحيتها الملايين من البشر ولا تزال هذه المجازر ترتكب باسم الاحتلال والتطهير العرقي والديني،

ويؤكد أستاذ الأدب الفرنسي روبرت فوريسون في ورقته المقدمة لمؤتمر بيروت «المراجعة التاريخية الصهيونية» 2001 أنه خلال التاريخ عرفت الإنسانية مائة محرقة حافلة بخسائر رهيبة بالأرواح وكوارث دموية،

ولكن معاصرينا تعودوا أن يتذكروا واحدة فقط: محرقة اليهود، حتى أصبحت كلمة «المحرقة» تخص اليهود فقط، دونما حاجة إلى القول: محرقة اليهود. ولم تؤد أية محرقة سابقة إلى دفع تعويضات مادية تشبه تلك التي طلبها ونالها اليهود لقاء كارثة «الشواة» التي يصفونها بأنها فريدة من نوعها وغير مسبوقة وهو الأمر الذي كان يمكن أن يكون صحيحاً لو كانت عناصرها الثلاثة (الإبادة، غرف الغاز والستة ملايين ضحية) حقيقية،

وإذا كان ملايين اليهود الأوروبيين قد عانوا وماتوا خلال الحرب المذكورة، دون أن تصل تلك المعاناة إلى ما يعنيه يهود اليوم بتعبير «محرقة»، فإن العديد من الشعوب والمجتمعات، وبالتحديد الألمان واليابانيين والروس والصينيين، عانت في الواقع مصيراً أسوأ بكثير من ذاك الذي عاناه اليهود.

فلنفكر هنا فقط بالعواصف النارية الفسفورية والذرية التي لاقى فيها على الأقل مليون ألماني وياباني موتاً فظيعاً، لذا يدرك الصهاينة بأن خسران «المحرقة» ودحضها هو خسران سيف ودرع إسرائيل كما أنه خسران لأداة مهيبة لممارسة الابتزاز السياسي والمالي.

والمتتبع لموضوع صناعة الهولوكوست سيكتشف انتشار مراكز للهولوكوست،30 من تلك المراكز منتشرة عبر العالم، وأغلبها في الولايات المتحدة الأميركية، وأخيرا تم افتتاح مركز في النرويج كان هدفه إلقاء الضوء على اليهود النرويجيين الذين ماتوا في مخيمات الإبادة النازية،

وقد أثار هذا المركز الكثير من التساؤلات حول ما يحققه من نتائج نتيجة التركيز الضيق المقتصر على مصير اليهود ويبعث على طرح استفسارات مشروعة من قبل بعض الجماعات ويصبح وقودا يغذي جدلها السياسي.

و كانت الأمم المتحدة قد بدأت في مطلع هذا العام بالتمهيد لخطوة مشروع تدريس الهولوكوست وذلك من خلال إعلانها السابع والعشرين من يناير «يوما عالميا لتخليد ذكرى ضحايا المحرقة» تكريما لحوالي ستة ملايين يهودي وضحايا آخرين قتلهم النظام النازي في الحرب العالمية الثانية،

وكان الهدف من هذا القرار حمل الأجيال الجديدة على ألا تنسى المحرقة وكل ذلك بجهود أميركية محضة من خلال توزيعها لمشروع يدين أي إنكار لحقيقة محرقة اليهود باعتبارها حدثا تاريخيا وكل نشاط يتصل بهذا الهدف،

وقد كان واضحا أن هذا المشروع كان ردا صريحا مستوحى من تصرف إيران التي أنكر بعض قادتها وبينهم الرئيس محمود احمدي نجاد مرات عدة حصول محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى التسبب بإدانات دولية نتيجة لمؤتمر دولي حول محرقة اليهود.

وإذا أردنا أن نتعرف على موقف العرب إزاء هذه الخطوة التي تقوم الأمم المتحدة بعبء تنفيذ جانبها العملي، فإن ما أعلنه الأمين المساعد للجامعة العربية السفير محمد صبيح، عن رغبة الجامعة العربية في عقد اجتماع لمجلس الجامعة العربية يستهدف بحث هذه التطورات التي وصفها بالخطيرة من اجل الخروج بموقف عربي موحد،

وإذا عدنا إلى الموقف العربي الموحد تجاه الهولوكوست، لن نجد موقفا صريحا واحدا، بل لا يمكن أن نجد منهم من يستطيع تجنب الشعور بالخوف أمام جماعة قوية وغنية في العالم الغربي إلى هذه الدرجة، حتى أن قياداتها لديها الوسائل الكفيلة بغزو وسائل الاعلام بشكاواها وإداناتها في أية لحظة،

من أجل المطالبة في نهاية الأمر بالمقاطعة الاقتصادية لأية أمة تتلكأ قيادتها عن القيام بما يتوجب عليها عمله، أو تقاوم المطالب اليهودية، فماذا ينتظر العرب من نتائج الموقف الموحد، وهل يمكن أن يثمر عنه عدم تفعيل للمشروع، وهل سيقابله تفعيل آخر لتدريس تلك المجازر والمذابح التي ارتكبها اليهود في فلسطين ؟

لكن ماذا لو أقر هذا المشروع كما اقر غيره من المشروعات التي انتصرت للمزاعم الصهيونية وأشعلت الشموع لموتى المحرقة وبالغت في التعويض عن الخسائر المادية والمعنوية أجيال بعد أجيال، ماذا يحدث لو كسبوا المعركة وأصبح العالم متعمقا في دراسة المحرقة وتاريخ اليهود المساكين الذين أبيدوا في مختلف البلدان الموالية للنازية،

كيف ستتغير نظرة العالم إلى هذا التاريخ المليء بالنكبات والآلام، والاهم ما شعور أجيالنا تجاه هذه المحنة اليهودية التاريخية وكم من التعاطف سوف تبديه تجاه مصيرهم وحقهم في ارض فلسطين كأدنى مكافأة على ما شهدوه من معاناة وتصفيات جسدية متوالية ؟

إن الجيل المعاصر بدأ منكوبا منذ ولادته لأنه يعيش بعيدا عن قضاياه الحقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى حتى انه يعيش في جهل تجاه تاريخه المعاصر فلا يعرف أبجديات الحياة السياسية ودهاليزها البسيطة

وربما هو افشل في قراءة التاريخ برمته فكيف يمكن أن يجابه هذا المواطن البسيط بثقافته المحدودة المعارك المصيرية الثقافية والفكرية التي يمكن أن تسيطر على عقليته وتدعه أمام ثقل الدولاب الصهيوني الذي يغسل أدمغة العالم بحقائقه وزيفه،

وهل يستطيع القادة العرب أن يقفوا في وجه هذه المتغيرات الصادمة، ويحققوا انتصارا واحدا في معركة ضد سيطرة نهائية واحتلال وشيك لآخر معاقل العروبة وهو معقل الفكر العربي المستقبلي؟

كاتبة إماراتية