هناك محترفون في كافة المهن الموجودة على الأرض، من خبراء علم الذرة إلى علماء زراعة الأرز، وبينهما تضيع مئات الآلاف من الخبرات والتخصصات والمهن الأخرى.غير أن مهنة التصوير تظل واحدة من أقدم وأهم الحرف التي عرفها التاريخ.
كم منا يعلم بأن هناك صورة نادرة تعود إلى أكثر من 000,40 سنة مضت! وأن أوروبا بها عدة كهوف تحتوي على رسومات تعود إلى ما يقارب الـ 000, 32 سنة خلت؟ غير أن النظريات التي تدور حول الأسباب التي دفعت الإنسان الأول إلى الرسم داخل الكهوف ما زالت غير قائمة على دليل مادي، أما لماذا تصبح مهنة أو حرفة التصوير من أهم الحرف في التاريخ على الإطلاق، فهو لأنها تثبت باللقطة الواحدة ما لا تستطيع عدة مجلدات متتابعة أن تثبته بالكلمة.
وعلاوة على ذلك، فالصورة قد تشرح ما لا تشرحه مئات الكتب حول موضوع واحد. فمهما قيل وكتب عن شكل وهيئة وملامح أدولف هتلر فإننا لن نستطيع أن نتخيله كما نراه في إحدى صوره الفوتوغرافية. لذا كنا نتمنى لو استطعنا رؤية ولو صورة فوتوغرافية واحدة لجنكيز خان أو هولاكو أو نيرون من الملطخة أياديهم بدماء الأبرياء أو أفلاطون أو أرسطو من بين الذين نشروا الحكمة بين البشر.
ومن هذا المنطلق، انتشرت ظاهرة مصوري البابارازي، (بفضل فيلم المخرج الإيطالي الشهير فريدريكو فيلليني (لا دولش فيتا) نسبة إلى شخصية الفيلم بابارازو)، حيث يقضي المصورون جل وقتهم في ملاحقة مشاهير العالم واختلاس صورهم أثناء ممارستهم لحياتهم اليومية. وقد تطور هذا الفن حتى أصبحت له معداته الخاصة به والتي تتطور بشكل يومي مع تطور التكنولوجيا. وهناك مصورون أمثال ميل بوزاد أصبحوا أساتذة احتراف في هذا المجال وفاقت شهرتهم شهرة العديد من شخصيات العالم.
غير أن الصورة تظل ذلك السحر الخفي الذي داعب نفوس البشر منذ الأزل، والتي يحاول فيها المرء أن يجمد منظرا واحدا قد لا يستمر أكثر من 1/1000 من الثانية! وأن هذا المنظر قد لا يتكرر أبد الدهر.
وقد كشفت براعة السرعة الفائقة لعدسة الكاميرا العديد من صور الحياة اليومية المتنوعة بين المضحك والمبكي، بين الجميل والقبيح، بين الكذب والحقيقة. وقد تخصصت الصحف اليومية بنشر صفحات كاملة لصور تنقل لنا هذا التناقض العجيب. صحيح أننا رأينا مئات آلاف الصور لمئات الآلاف من المرات مآسي الشعوب المحصورة بين الفقر والحروب والأمراض والكوارث والاغتيالات والمؤامرات ولم يرمش لنا طرف، إلا أن الصورة الفوتوغرافية تظل شاهدا على العصر لا يمكن أن نجرح شهادته.
من تلك الصور المعبرة تلك التي حازت على واحدة من أفضل صور العام 2005 في مجلة التايمز، وهي تمثل تابوت أحد جنود المارينز الأميركيين الذين قتلوا في العراق يتم إنزاله على يد اثنين من رفاقهم من بوابة قمرة شحن طائرة مدنية بينما يبدو في الصورة ثماني نوافذ لنفس الطائرة يطل منها الركاب وهم ينظرون إلى منظر العلم الأميركي يلف بالتابوت.
وصورة أخرى من بين عدة صور تعود لسنة 1945 لطفل ياباني يبلغ من العمر 13 سنة وقد تفحمت جثته نتيجة إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما. وهناك صور تقشعر منها الأبدان لأشكال من الموت في العراق منذ غزو قوات التحالف لهذا البلد، ولمن يريد التأكد من ذلك العودة إلى موقع http://mindprod.com/politics/iraqwarpix.html شريطة أن يكون من ذوي القلوب القاسية.
غير أنه من أبلغ الصور التي بثتها وسائل الإعلام الأسبوع الماضي وبالتحديد يوم الخميس 25 أكتوبر 2007، هي تلك التي تمثل سيدة أميركية غاضبة تحاصر بيديها المصبوغتين بلون الدم وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس لحظة وصولها إلى مبنى الكابيتول هيل للإدلاء بشهادتها أمام اللجنة حول السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويبدو في الصورة اليد اليسرى لتلك المرأة وهي تلتف من خلف رأس رايس بينما كف اليد اليمنى مشهورة في وجهها وهي مخضبة بلون الدم وكأنها تحاول أن تلصقها في وجهها.
بينما أمسك رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب الأميركي توم لانتوس بيدها اليسرى محاولا إبعادها عن رقبة رايس. وفي خلفية الصورة مجموعة من المتفرجين فاغري الأفواه في انتظار ما سيحدث لتلك السيدة التي دوخت رجالا في القارات الست ودوختها دائرة الفوضى بين فلسطين والعراق ولبنان.
ان ما أرادت أن تعلنه تلك السيدة في الحقيقة بدا بكل وضوح في حركة كفيها واستدارة فمها وفتحة عينيها التي جمدتها الصورة إلى أبد الآبدين، فظلت تلك السيدة وكأنها تصرخ مدى الدهر في وجه كوندوليزا رايس قائلة: (إن يديك ملطختان بدماء الأطفال والأبرياء في كل مكان: أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال وفي كل مكان وضعت فيك بلدك قدميها عليها.. وتأتين هنا لكي تدافعي عن تلك السياسة التي تريد أن تملأ خزانات وقود عربات الشعب الأميركي بدم الشعوب المستضعفة... ان يديك ملطختان باللون الأحمر وقلبك مملوء بالكراهية السوداء لأنك لم تعرفي بعد قيمة الأمومة ولا قيمة الإنسان...
ولم تفهمي بعد فلسفة الحياة... انك تدعين حبك للموسيقى والعزف على آلة البيانو وأنت أبعد ما تكونين عن رقة الفن وحكمة السلم الموسيقي.... إنك تبحثين عن تأسيس مجدك على جثث الأطفال وتلتفي بأكفان شباب الجيش الأميركي... أنك قاتلة ويجب أن تحاسبي كمجرمة حرب ويجب أن تمثلي أمام محكمة العدل الدولية..) .
هذا بعض ما تريد أن تعبر عنه تلك الصورة، وهناك الكثير مما يمكن أن تعبر عنه وبه. مع ذلك فقد أخفت هذه الصورة وجه كوندوليزا رايس، حيث لا يرى منها غير نسبة بسيطة عندما التفتت إلى تلك السيدة، وهكذا ركزت آلة التصوير على صورة صراخ الحقيقة وأخفت صورة صمت المراوغة.
ونتساءل بالفعل، بم تفكر هذه المرأة الحديدية عندما تخلو مع نفسها؟ هل تفكر لحظة واحدة بأنها عضو مشارك وفعال في سياسة الهدم والقتل والاغتيالات في العالم؟ هل تدرك أنها تشارك في تيتيم ملايين الأطفال في كل مكان؟ هل تشعر بالخزي والعار والأرق كلما وضعت رأسها على مخدات ريش النعام لكي لتنام؟ هل هناك من آلة تصوير متطورة تستطيع أن تلتقط لنا صورا ملونة لما يجول في رأس وصدر هذه السيدة الزنجية الأصول والنسب؟
ووزيرة الخارجية هذه ليست إلا واحدة من بين الآلاف من رجال ونساء العالم الذين غاب ضميرهم وأصبحت مصالح شعوبهم سبب مصائب الشعوب الأخرى. غير أن الكاميرا غائبة عنهم... أو لم تصل بعد إلى مفاهيمهم.
على كل واحد منا أن يقتني آلة تصوير واحدة على الأقل في حياته... ويصور نفسه بها قبل أن يقدم على أي عمل مخز في حقه وفي حق من هم تحت سلطته.
ثم يقارن بين: قبل وبعد.
جامعة الإمارات