منذ اتخاذ الحكومة الإسرائيلية قرارها في 18 /9 الماضي بشأن اعتبار قطاع غزة كياناً معادياً، دخل الحصار المحكم المفروض على القطاع منذ 25 /6/ 2006، مرحلة جديدة أكثر شدة وقسوة، بما يدفع تدريجياً مليونا ونصف مليون فلسطيني هم سكان القطاع إلى دائرة الكارثة الإنسانية بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى وأبعاد.

الحصار الذي فرضته إسرائيل في يونيو العام الماضي، جاء مترافقاً في حينه مع عدوان واسع ومستمر على قطاع غزة بسبب نجاح عملية «الوهم المتبدد» التي نفذها عدد من المقاومين الفلسطينيين على الحدود الشرقية لقطاع غزة مع إسرائيل وأدت إلى قتل وجرح عدد من الجنود، واختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليت الذي لا يزال محتجزاً في قطاع غزة.

أما المرحلة الثانية وهي الحالية من الحصار على قطاع غزة، فقد بدأت مع الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس على السلطة ومؤسساتها في الرابع عشر من يونيو هذا العام، على خلفية الموقف من حماس، وبهدف التحكم أكثر في مجريات المياه الفلسطينية.

انطلاقاً من مصلحتها في إبقاء وتعميق الانقسام بين الفلسطينيين، وهو ما سعت إسرائيل لتحقيقه منذ فترة طويلة إلى أن أدى الصراع الفلسطيني الداخلي لتحقيق ما فشلت السياسة الإسرائيلية في تحقيقه بوسائلها الخاصة.

وبذريعة إخضاع حركة حماس التي تصنفها الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي على أنها منظمة إرهابية، تجد الحكومة الإسرائيلية فرصتها لإخضاع كامل سلطان القطاع لعقوبات جماعية لا تراعي الحد الأدنى من المعايير والأخلاقيات الدولية أو حقوق الإنسان وبدون أدنى شعور بالمسؤولية القانونية أو السياسية أو الإنسانية إزاء الآثار الكارثية التي تترتب على مثل هذه العقوبات التي تزداد صعوبةً يوماً بعد آخر.

فالمعابر بين قطاع غزة وإسرائيل وعددها أربعة هي إيريز، المنطار، صوفا، وكرم أبو سالم، والمعبر الوحيد الذي يربط بين القطاع ومصر وهو معبر رفح الحدودي كلها مغلقة بالكامل اللهم من حركة محدودة على معبر إيريز تسمح بدخول بعض ممثلي السفارات الأجنبية والعاملين في مؤسسات دولية، وأعداد محدودة جداً من مرضى التحويلات الخارجية.

تسعى إسرائيل من وراء هذا الحصار لخنق أهالي القطاع، وتدمير ما تبقى من الحياة الاقتصادية، وإفقار الناس، وتعطيل مصالح كافة الفئات، والهبوط بمستوى الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية، وشل حركة التجارة والتصدير، وضرب القطاع المصرفي، وجعل القطاع مكاناً غير صالح للإقامة والحياة.

ففي اليوم الذي كان العالم يحيى فيه اليوم العالمي لمكافحة الفقر، وهو السابع عشر من أكتوبر الجاري، كان أحد الجنرالات الإسرائيليين يلتقي على معبر إيريز مع وفد من ممثلي القطاع الخاص الفلسطيني، لكي يبلغهم بالمسموح إدخاله أو إخراجه من السلع إلى قطاع غزة، ولكي يتأكد من خلال ردود فعلهم من مدى نجاح الحصار والسياسة الإسرائيلية.

الجنرال الإسرائيلي سلم ممثلي القطاع الخاص قائمة بالبضائع المسموح بدخولها إلى قطاع غزة وهي فقط زيت، سمنة، سيرج، أرز، سمسم، معكرونة، دقيق، تمر، سكر، أدوية، مستلزمات طبية، حليب ومشتقاته، لحوم وأسماك مجمدة، حفاضات أطفال، ورق مناديل، ورق تواليت جاهز وليست للصناعة، بقوليات، معلبات، لحمة وبيض مخصب أي للتفريخ.

هذه القائمة المحدودة هي من أصل ثلاثة آلاف وخمسمائة سلعة كانت تدخل إلى قطاع غزة، عبر سبعمائة شاحنة يومياً حتى شهر مايو هذا العام، تم اختصارها إلى سبعين شاحنة منذ الانقلاب الحمساوي في منتصف يونيو.

أما عن حركة التصدير إلى الخارج فهي كما قال الجنرال الإسرائيلي متوقفة تماماً ولا يسمح بوصول أي مادة لإسرائيل إلا الصواريخ التي يطلقها الفلسطينيون.

في ضوء هذه الإجراءات، أخذت تختفي الكثير من السلع والبضائع بما في ذلك الأساسية من الأسواق مما أدى إلى إغلاق نحو ثلاثة آلاف وتسعمائة محل والباقي على طريق الإغلاق بسبب عدم توفر قطع الغيار، والمواد اللازمة للعمل.

إغلاق هذا العدد من المؤسسات التشغيلية دفع إلى سوق البطالة والفقر أكثر من مائة ألف عامل وموظف، واقتصر من يستلمون راتباً شهرياً على الموظفين العموميين، سواء من تصرف رواتبهم من قبل حكومة الدكتور سلام فياض أو من قبل حركة حماس، بالإضافة إلى موظفي وعمال وكالة غوث وتشغيل اللاجئين.

ترافق مع ارتفاع نسب البطالة في قطاع غزة إلى أكثر من 40% من القوى العاملة، ارتفاع جنوني للأسعار بما في ذلك المواد الأساسية كالدقيق والسكر، والزيوت ، واللحوم بمختلف أصنافها.

وبحيث بلغت نسبة الارتفاع في الأسعار إلى حدود تتراوح بين 50% إلى 500% بالنسبة لبعض السلع، الأمر الذي رفع نسبة الفقر والفقر المدقع إلى أكثر من 75% وهي في حالة تزايد بحيث تشمل عدداً من العاطلين عن العمل، عشرات آلاف الموظفين ذوي الدخل المحدود.

وفي ضوء هذه الإجراءات القاسية ، قررت بعض البنوك الإسرائيلية وقف التعامل مع البنوك العاملة في قطاع غزة، وبعضها الآخر أعطى مهلة محدودة، فيما أحدث ارتباكاً واسعاً في عمل القطاع المصرفي، ذلك أن هذا الإجراء يعني تقنين دخول الشيكل والعملات الأخرى، إلى أن يتم وقفها، وفي الوقت ذاته سحب العملة من القطاع، ذلك أن على التجار الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن ما يستوردون بالكاش ومباشرة عند وصول البضائع.

معروف أن العملة المتداولة في الأراضي الفلسطينية هي الشيكل والدولار والدينار، ولذلك بدأت الأسواق تخلو نسبياً من الدولار والدينار والتي تذهب بالدرجة الأساسية ثمناً لبضائع يتم إدخالها عبر الأنفاق بين غزة ومصر وتتحكم في حركتها حركة حماس والتجار.

هذا الواقع، في ظل استمرار الصراع والانقسام وبناء المؤسسات الموازية وحركة الإقصاء للموظفين، وغياب الرقابة والمحاسبة والمسؤولية أيضاً، أدى إلى امتناع الناس عن تسديد المستحقات للبلديات، مما أدى إلى عدم قدرة الأخيرة على تلبية احتياجات هؤلاء، فيما هي عاجزة لبضعة أشهر عن تسديد رواتب موظفيها وعمالها أو إصلاح الأعطال التي تقع في آلياتها ووسائل عملها.

وقد أدى ذلك أيضاً إلى تراجع الخدمات الصحية لأسباب تتصل بنقص الكثير من المواد الطبية والتجهيزات اللازمة للعمليات، والعمليات المختبرية، ونقص الأدوية.

كل ذلك وأكثر منه فيما القوى السياسية المتصارعة لا تزال على عنادها لا تبدي مرونة أو اهتماما بقضايا الناس بعد أن أعطت الأولوية لأهدافها وأجنداتها الخاصة، وفيما يتهرب العرب والعالم من مسؤولياته بدعوى أنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك.

وإذا كان هذا هو حال سكان قطاع غزة في هذه الأيام، فإن ما يأتي منها سيرسم مشهداً مأساوياً، لا يليق بشعب ضحى ولا يزال من أجل حقوقه وحريته.

كاتب فلسطيني