المشهد الفلسطيني مفعم بالكثير من الظواهر المحبطة المثيرة لغضب الأصدقاء وشماتة الأعداء: قطيعة وتخاصم أيديولوجي وسياسي وتشاتم ورفض للتواصل والحوار بين القوي الوطنية، فشل لإرهاصات التحول الديمقراطي التي تلصصت في الانتخابات التشريعية لعام 2006، تمايز جغرافي اجتماعي اقتصادي سياسي ببن الضفة وغزة ينذر بتباين في المسار وربما في المصير،
فتور عربي إزاء التدخل لرأب صدوع الحالة الفلسطينية بصفة عامة،تغلغل أميركي إسرائيلي يخرق العين يحاول تحديد أولويات النظام الفلسطيني وأجندة التسوية السياسية، تحكم دولي في رقبة الفلسطينيين اقتصادياً ومالياً على نحو أثبت نجاعته في احتمال إملاء الشروط عليهم.
بناء علي هذه المعطيات المقبضة، يحق لكل الغيورين على استقامة مسار النضال الفلسطيني استشعار الأسى مما انتهي إليه حال الفلسطينيين.. وقد لا يلام البعض إذا ما انحدرت هواجسهم إلى اليأس المطبق تجاه آفاق القضية الفلسطينية واحتمال أفولها. والحق أن هؤلاء اليائسين القانطين موجودون بالفعل بين ظهرانينا وهم يتكاثرون بوتيرة تثير القلق.
مع ذلك، لا نتصور أن التاريخ قد قال كلمته الأخيرة وحكم على الملف الفلسطيني بالتصفية، بما يستدعي الهرولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وفقاً لآراء المرجفين والشامتين. لا يقوم هذا الاعتقاد على فكر رغبوى أمنياتي حالم بقدر ما ينطلق من قناعة لها مسوغاتها الموضوعية.. التي منها بلا حصر:
أولا، أن حركة التحرر الفلسطيني سبق لها أن خاضت مفازات ومحن بالغة القسوة،بحيث ظن كثيرون بأن قيامتها قد قامت. حدث هذا بعد مناسبات سوداء بعينها مثل إعصار نكبة 1948/1949 وهزيمة 1967المدوية واقتلاع الثورة الفلسطينية من حصونها في الأردن 1970/1971 و تذرية قوى الثورة ومنظمة التحرير في أنحاء العالم العربي عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.
وكذا غداة ضمور الانتفاضة الأولى ومعاناتها من الازورار العربي بين يدي زلزال حرب الخليج الثانية بتوابعها الكئيبة وتصدع النظام العربي عامي 1990 و1991. لكن ما لا تخطئه عين المتابع أن الحالة الفلسطينية كانت رغم كل هذه المناسبات ونحوها قادرة على التجدد والانبعاث وإعادة التكوين واستئناف السيرورة.
ثانياً، أن عمق الأزمة الفلسطينية الراهنة يأتي في تقديرنا من حجم المخاض والتحول الكبير الذي يعيشه النظام الفلسطيني بفعل الانتقالة الكبرى التعددية الحقيقية. فالشاهد أن دخول حماس أو حتى التيار الإسلامي عموماً بقوة وزخم ملحوظين أحدث تغيراً جوهرياً في مجرى الحياة السياسية وملحقاتها النضالية.
وهو أمر لم يثبت أن بعض حراس النظام القديم قد استوعبوه بالقدر اللازم لعدم إحداث ردود أفعال صاخبة. ومن المقدر، وربما كان من الطبيعي، أن تمر تفاعلات ما بعد هذا التغير بمرحلة انتقالية، كان من سوء الطالع أنها بدت مؤلمة وعسيرة.
ثالثاً، أن المحيط الإقليمي، العربي بالذات، يموج بالقوى والتيارات والإيديولوجيات التي تحمل لفلسطين أحانين وتنشّد إليها بوشائج ومصالح وروابط مادية وروحية على نحو لا يمكن فصمه وهجرانه بسهولة. القضية الفلسطينية تبدو والحال كذلك غير قابلة للأفول والضياع لمجرد رخاوة العامل الفلسطيني على أهميته.
إن كل قوة أو كتلة مشحونة بحمولات قومية أو إسلامية أو ليبرالية في هذا المحيط، لا يسعها تجاوز هذه القضية ومن المقدر أن لها مصلحة في إسناد الحالة الفلسطينية وانتشالها من السقوط والفشل المروع. لو كان الوضع علي غير هذه الشاكلة والتقدير لانفض ناس هذه القضية من حولها منذ أمد طويل.. ثم إن رخاوة العنصر الفلسطيني تبدو كما ألمحنا في النقطة السابقة أقرب إلى كونها مؤقتة.
رابعاً، أن القوى الدولية المتداخلة والمنغمسة في الملف الفلسطيني لا تملك تنحيته أو فرض مراداتها (وإسرائيل) عليه وفق أجندتها بلا معقبات وعقبات. ذلك لتيقن هذه القوى،الولايات المتحدة بخاصة، بارتباط هذا الملف، سخونة وتعقيداً أو برودة وتسوية، بقضايا ومصالح إستراتيجية بالغة الحيوية بالنسبة لها، شرق أوسطياً وعالمياً.
ربما حاول هؤلاء الضغط باتجاه تطويع الحالة الفلسطينية وتحجيم مطالبها وانتهاك بعض حقوقها، غير إنهم يدركون أن تدفق مصالحهم بالمنظور الشامل معلق إلى حد جوهري بعمل شيء ما واعد على الصعيد الفلسطيني. ويعلمون أيضاً أنه لا شيء يغري العرب والمسلمين بالتجاوب معهم أكثر من هذا الوعد.
ليس بلا مغزى في هذا السياق أن الولايات المتحدة كلما اتجهت إلى فِعلة ما في طول «الشرق الأوسط» وعرضه، بادرت إلى التلويح بشيء إيجابي نحو الفلسطينيين!. حديث اللقاء الدولي في خريف 2007 مثل صارخ على ذلك.
خامساً، أن نجاح توجهات التحالف الإسرائيلي الأميركي لطي الحركة التحررية الفلسطينية، انطلاقا من التيه الذي يعتريها راهنا، هو أمر محفوف بالشكوك. ويبدو أن الهدف البديل هو التلاعب بهذه الحركة وتعميق تناقضاتها الداخلية عبر تزكية قوى معينة وتفضيلها ضد قوى أخرى، والتمييز بين معتدلين منها يستحقون التعاطف والاعتراف والإسناد المالي والسياسي.. وبين متطرفين يتعين طردهم من رحمة المجتمع الدولي ومن حوزة النظام الفلسطيني.
غير أن الضغوط في هذا الاتجاه لها سقف وقاع لا نتصور أنه يمكن تخطيها. فحجم القوى المراد إزاحتها كبير وراسخ فلسطينياً، بحيث يصعب تصور القضاء عليه بالقوة. لكن الجائز بهذا الخصوص هو احتمال دفع هذه القوى إلى مزيد من المرونة بأدوات السياسة .. ومؤدى ذلك أن أية تسوية فلسطينية سيظل تفعيلها عملياً رهناً بهامش سماح يتيحه رضاء حماس ونظائرها.
سادساً، يتصل بالملاحظة السابقة، استحالة استبعاد التيار الإسلامي وتجلياته الحركية التنظيمية في فلسطين من معمعة القضية الفلسطينية وحركتها التحررية. وعلةُ هذا التصور تقع في حضور الأبعاد الدينية لدى المشروع الصهيوني المقابل. بمعنى أن ثمة في طبيعة الصراع الصهيوني العربي، أو الإسرائيلي الفلسطيني، ما يوجب تشغيل الطاقة الدينية الروحية بين طرفي الصراع، وهذا يستلزم بالتداعي ديمومة حضور حماس ومن على شاكلتها فلسطينياً.
ونظن أن أحد نتائج هذا الحضور يتمثل في قدرة حماس على تعطيل أية صيغة للتسوية لا تلقى لديها القبول أو لا تفي بكثير من مطالبها وثوابتها. إذا انتفت هذه القدرة، فسوف تكون حماس قد ارتدت إلى حيز الوجود الشكلي الذي لا معنى سياسياً له.. وليس هناك ما يوحي بمثل هذه الردة إلى إشعار آخر!. كأن هذه المعطيات تقول أنه لا مفر أمام المعنيين بالشأن الفلسطيني، صراعاً وتسوية، سوى التعامل مع الحالة الفلسطينية وقد باتت حماس في لحمها وشحمها.
وتعزز هذه المحصلة بحقيقة رديفة هي أنه لا مصلحة للعاطفين على صياغة المستقبل الفلسطيني لدى كل العواصم المعنية في تذرية الفلسطينيين ومصيرهم ،على نحو يترك لقضيتهم ذيولاً وتوابع توجعهم وتقض استقرار أية تسوية يصلون إليها في وقت أو آخر.
والواقع أن بعض أكثر الدول العربية امتعاضاً من تصرفات فتح وحماس العاصفة في المشهد الفلسطيني، تفهم الأمر وتقاربه على هذه الطريقة والمنهجية. وتبدو هذه الحقيقة من دواعي الاطمئنان إلي أن رام الله وغزة سوف يهتديان إلى الفهم ذاته ربما في توقيت أقرب مما يتصوره المتشائمون.
كاتب وأكاديمي فلسطيني