انشغل الرأي العام على نطاق واسع، في الفترة الأخيرة، بمتابعة ما يجري بين العراق وتركيا، فحدة الموقف بينهما تتصاعد في تسارع كبير وقد اكتملت الأطر التعبوية والقانونية ! لقيام تركيا بعمل عسكري كبير، أو على الأقل للتلويح به، داخل الأراضي العراقية لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني التركي الذين يتخذون من إقليم كردستان العراق قواعد لشن هجمات على الجيش التركي.
وكان آخر هذه الهجمات في الحادي والعشرين من هذا الشهر حيث قُتل 17 جندياً تركياً سبقه قبل أسبوع مقتل 13 جندياً آخرين في مقاطعة سيرناك الواقعة جنوب شرقي تركيا والتي تركزت الاشتباكات بين القوات التركية وعناصر من حزب العمال الكردستاني فيها في الفترة الأخيرة.
وتُحَمِل أنقرة حزب العمال الكردستاني الذي تأسس عام 1978 المسؤولية عن مقتل أكثر من 30 ألف شخص منذ بدء حملته المسلحة لإقامة وطن كردي في جنوب شرق تركيا في عام 1984، وقد بلغ العنف مؤخراً مستوى لم يصل إليه منذ اعتقال زعيم الحزب، عبد الله أوجلان، عام 1999.
والجدير ذكره أن مقاتلي هذا الحزب يستخدمون قواعد لهم في جبل قنديل في كردستان العراق للقيام بعملياتهم العسكرية في جنوب شرق تركيا. كما تتهم أنقرة إقليم كردستان العراقي بإيواء مقاتلي الحزب ودعمهم بالسلاح و غض الطرف عن نشاطاتهم المعادية لتركيا.
الموقف خطير جداً على الرغم من أنه ليس جديداً في تأريخ العلاقات التركية العراقية، فقد وقعّت تركيا مع النظام العراقي السابق اتفاقية في عام 1982 تمنح القوات التركية حق التوغل لعمق معين داخل الأراضي العراقية لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني التركي، وتمنح القوات العراقية حقاً مماثلاً لمطاردة الأكراد العراقيين داخل الأراضي التركية.
ووفق تلك الاتفاقية قامت القوات التركية بالتوغل داخل الأراضي العراقية مرات عديدة. وتمتلك هذه القوات أربع قواعد عسكرية في كردستان العراق منذ عام 1997، يقيم فيها زهاء ثلاثة آلاف جندي تركي نصفهم تقريباً من القوات الخاصة.
لقد أحيت الحكومة العراقية الحالية بضغوط من تركيا، عند زيارة رئيس الوزراء العراقي ثم وزير الداخلية لأنقرة مؤخراً، اتفاقية عام 1982، فقد منحت الاتفاقية الجديدة حقاً لتركيا في التوغل داخل الأراضي العراقية لأسباب تتعلق بالأمن القومي التركي على أن تُخطر الحكومة العراقية مسبقاً بذلك.
ولم تُرحب القيادات الكردية العراقية بهذه الاتفاقية فهي ترى بأن موقعيها قد تجاهلوا وجود إقليم كردستان و تجاوزوا على حقوقه في إبداء الرأي في بنود الاتفاقية قبل إقرارها خاصة أنها تتعلق بعمليات عسكرية في أراضي الإقليم.
فهل أن عمليات محدودة تقوم بها عناصر من حزب العمال الكردستاني تبرر القيام بانتهاك القوانين الدولية والدخول إلى أراضي دولة مجاورة هي في أشد حالات الضعف ؟، وكيف يفسر البرلمان التركي قراره، بأغلبية ساحقة، بالقيام بعمل عسكري في أراضي دولة أخرى ؟، فذلك أمر غير مشروع ويعتبر خرقاً لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. هل تستفيد تركيا من مسرح تعرض فيه عضلاتها العسكرية وهي تحرص منذ سنوات طويلة على القيام بما يسهل قبولها في الإتحاد الأوروبي ؟.
حزمة كبيرة من الأسئلة تدور في أذهان من يتابع تطور الأزمة، وأسئلة أخرى كثيرة حول ما سوف يجري ضمن الإطار الأوسع، وهو انحدار منطقة الشرق الأوسط نحو المزيد من عدم الاستقرار مع كل ما ينجم عن ذلك من لا يقينية المرافئ التي سيرسو عندها سَفَنٌ تائهون.
من الصعب التنبؤ بمن سيكون الكاسب من هذا التصعيد، فذلك يعتمد على ما ستتمخض عنه هذه الأجواء المكهربة، فإذا قررت حكومة أردوغان الذهاب نحو خيار القوة فسوف تغامر بفقدان مكاسب مهمة حققتها لصالح حزب العدالة والتنمية على صعيدين:
1. عودة النفوذ للمؤسسة العسكرية التركية التي خسرت الكثير من مواقعها في السنوات الأخيرة لصالح القوى الإسلامية. فمع تهيئة الأجواء المعادية للأكراد لتقبل العمل العسكري يأمل الجنرالات في استعادة النفوذ السياسي الكبير الذي تمتعوا به منذ تأسيس تركيا الحديثة وافتقدوا الكثير منه لصالح حزب العدالة والتنمية.
2. خسارة المواقع التي كسبها هذا الحزب في المناطق الكردية داخل تركيا، فقد منح الكثيرون من الأكراد أصواتهم لهذا الحزب بسبب كراهيتهم لسلطة الجنرالات التي يرون فيها العقبة الأكبر أمام طموحاتهم القومية. خاصة ان من يدفع باتجاه التدخل العسكري مدفوع بمشاعر الكراهية للأكراد وليس بهاجس الأمن القومي التركي.
فتنامي المشاعر المعادية للأكراد لا شك سيتمخض عنها انحسارا في النفوذ الهش الذي حققه حزب التنمية والعدالة في المناطق الكردية والذي عكسته الانتخابات الأخيرة في جنوب شرق تركيا وهي المناطق التي يسكنها غالبية كردية.
وانحسارا كهذا يعزز طرف المعادلة الآخر وهو عودة التعاطف مع قضية حزب العمال الكردستاني الذي خسر الكثير جداً من تعاطف الأكراد بسبب نهجه الفوضوي وقيامه بأعمال إرهابية ضد المدنيين الأتراك وقيامه بتنفيذ عمليات لا تخدم قضايا الشعب الكردي في دول أخرى.
ويبدو من خلال إدارة حكومة أردوغان للأزمة ونتيجة الضغوط الدولية التي تتعرض لها، خاصة من الولايات المتحدة التي ترى ان التوغل العسكري التركي في الأراضي العراقية سوف يزيد من متاعبها في هذا البلد، إن تدخلاً عسكرياً واسعاً في الأراضي العراقية لم يعد له الأولوية في هذه المرحلة من الأزمة.
خاصة بعد زيارة وزير الخارجية التركي لبغداد وتنسيقه مع القيادات العراقية، وبعد أن قررت الحكومة العراقية اعتبار حزب العمال الكردستاني التركي منظمة إرهابية وقررت غلق مكاتبه وحظر نشاطاته، وأصبحت وفق ذلك ملزمة بمطاردته.
إلا أن حكومة أردوغان، من جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل ضغوط المؤسسة العسكرية القوية التي تضغط بشدة باتجاه العمل العسكري في ضوء تزايد الهجمات التي تتعرض لها القوات التركية، لذلك ستعمد إلى القيام بعمليات محدودة النطاق تستند إلى معلومات استخبارية دقيقة تعهدت الولايات المتحدة بتقديمها تستهدف قواعد حزب العمال الكردستاني في الأراضي العراقية مع الاحتفاظ بخيار توسيع العمليات مستقبلاً.
لتركيا مصالح ومشتركات حيوية مع جاراتها الجنوبية والشرقية: العراق و سوريا و إيران، فالغالبية العظمى من الأكراد في العالم يسكنون في هذه الدول. وتشكل القضية الكردية أرقاً متزايداً للمؤسسة التركية منذ عام 1984، فهي تنظر بحذر وتوجس إلى ما يجري في جارتها الجنوبية حيث حصل أكراد العراق على ما لم يحصلوا عليه في الدول الثلاث الأخرى وهو ما لا ترغب تركيا بتوسعه وانتقاله إلى أراضيها.
كما لا ترغب في ذلك كل من إيران وسوريا، وقد يفسر ذلك القصف شبه المستمر من جانب إيران للقرى الكردية في العراق القريبة من الحدود الإيرانية، ويفسر كذلك التصريحات التي أدلى بها الرئيس السوري، عند زيارته لأنقرة مؤخراً، والتي أبدى فيها تأييده لقيام تركيا بعمل عسكري في الأراضي العراقية.
من المستبعد جداً أن يثمر العمل العسكري سواء داخل تركيا أو خارجها عن حل المشكلة الكردية العميقة الجذور في تركيا، فقد تكبد الطرفان الكثير من الخسائر منذ عام 1984. ومن المتوقع أن تستمر هذه الخسائر طالما بقيت المؤسسة التركية التي تصنع القرار، المدنية والعسكرية، عاجزة عن رسم استراتيجية تستند إلى رؤية مدنية سلمية لحل هذه المشكلة.
فالتمسك بالنزعة العسكرية يضعف المسار الديمقراطي ويقرب موعد مغادرة حزب التنمية والعدالة لسدة الحكم ، ويعرقل المسار نحو الإتحاد الأوربي. لقد كشفت هذه الأزمة أكثر من أي أزمة أخرى مر بها العراق في السنوات الأخيرة، مدى حاجة العراق لأن يكون موحداً، ويحدونا الأمل في ضوء ذلك أن ترقى استراتيجيات القيادات السياسية في العراق إلى المستوى الذي يرى ان أمن العراق هو الضامن لأمن أي جزء منه.
فقد أسهمت بعض التصريحات والقرارات والإجراءات التي صدرت أو اتخذت من قبل كبار المسؤولين الأكراد في العراق في السنوات الأخيرة، سواء بقصد أو من دونه، في تعزيز الفتور في مشاعر انتماء مواطنيهم إلى العراق، فأضعفوا بذلك حصانة إقليم كردستان نفسه في مواجهة المخاطر التي قد يتعرض لها في ظل الأوضاع غير المستقرة في منطقة الشرق الأوسط.
كاتب عراقي