المؤتمر السابع عشر للحزب الشيوعي الصيني الذي انعقد في منتصف أكتوبر واستمر لمدة أسبوع كشف ولأول مرة عن ظواهر خطيرة نمت على مدى عقدين من الزمن في التجربة الصينية التي يعدها الكثيرون أنها تجربة تنموية ناجحة وعملاقة ورشحوا معها التنين الصيني ليصبح القوة الاقتصادية العالمية الجديدة على الساحة الدولية والتي توقع ومازال يتوقع لها الكثيرون أيضا أن تكون المنافس الأول للولايات المتحدة على الساحة الدولية، ولكن ما كشف عنه مؤتمر الحزب والذي ينعقد كل خمس سنوات يعطى مؤشرات عكس ذلك تماما.
من الواضح أن الصين أصبحت بالفعل عملاقا مكبلا بالأغلال، فالتجربة التنموية الصينية التي يضرب بها البعض المثل لم تأت في الأساس نتيجة تطورات ذاتية في المجتمع الصيني بل جاءت نتيجة مخطط أميركي غربي محكم الخيوط بدأ في السبعينات من القرن الماضي تحت عنوان «احتواء الصين».
وكان المستشار الأميركي والداهية السياسية هنري كيسنجر صاحب فكرة هذا المخطط القائم على قاعدة أساسية وهي «فتح الأسواق العالمية للإنتاج الصيني المتدفق بغزارة».
وبناء عليه اندفعت عجلة التنمية الإنتاجية في الصين اندفاعا قويا أصبح من الصعب معه التحكم فيها أو حتى إبطاؤها بعض الشيء، فالقاعدة الاقتصادية تقول ان التنمية الإنتاجية لها حدود في التقدم أو التراجع، وتجاوز تلك الحدود في أي من الاتجاهين يعني أن الاقتصاد يواجه مشكلة، وزيادة التنمية الإنتاجية لا يعني كما يعتقد البعض تقدم المجتمع أو نمو الاقتصاد.
حيث ان زيادة التنمية تحتاج لعوامل أخرى منها زيادة الموارد الطبيعية ومصادر الطاقة وزيادة حجم الأسواق المستوعبة لهذا النمو في الإنتاج، وأيضا تحتاج في الأساس مواكبة الأوضاع السياسية والاجتماعية والإدارية والأمنية والتشريعية وغيرها في المجتمع لهذه الطفرة التنموية الإنتاجية.
وهذه في الواقع هي المشاكل التي نتجت عن الطفرة التنموية الصينية، والتي أخفاها الحزب الشيوعي الصيني طيلة العقدين الماضيين، ثم جاء في مؤتمره الأخير ليعترف بها.
لقد طرح الزعيم الصيني هو جين تاو في المؤتمر فكرته التي سبق له أن طرحها عام 2003 تحت مسمى «وجهة النظر العلمية للتنمية»، هذه الفكرة التي تسعى لعلاج بعض الظواهر السلبية الخطيرة التي أدت إليها الطفرة التنموية الصينية، ومن أهمها ظاهرة الاستهلاك المفرط للموارد والذي أصبح يهدد بالفعل بتوقف التنمية.
وخاصة موارد الطاقة، يكفينا أن نعلم أن نحو ثلث المدن والقرى الصينية تخفض فيها الإضاءة يوميا بسبب نقص الطاقة الكهربائية التي تستهلك عشرات الآلاف من المصانع وورش الإنتاج أكثر من 70% منها يوميا.
كما أشار هو جين تاو إلى الأضرار البالغة التي أصابت البيئة الصينية نتيجة اندفاع عجلة الإنتاج، وأيضا ظاهرة اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء وكذلك التفشي الواضح للفساد في كافة الأجهزة والمؤسسات.
هو جين تاو لا يسعى كما يعتقد البعض لأن يخلد اسمه ويضع نفسه ضمن زعماء الصين الكبار الذين يعدهم الشعب مرجعيات له، ولكن الحقيقة أن الظروف التي تمر بها الصين الآن وعلى مدى أربعة أعوام مضت تستوجب وقفة من القيادة الصينية لمراجعة حساباتها وتعديل مسارها، فالتنمية الإنتاجية الكبيرة في الصين لم تصبها تنمية اقتصادية حقيقية، ونمو الإنتاج لا يعني بالضرورة نمو الاقتصاد.
بل على العكس أحيانا كثيرة يكون النمو الإنتاجي ضد النمو الاقتصادي الذي لا يعني فقط حجم الإنتاج و عوائده بل يعني نمو المجتمع ككل ودعم سياسة الدولة الداخلية والخارجية وقدرة الدولة على امتلاك قرارها السياسي والاقتصادي، والطفرة الإنتاجية في الصين على مدى العقدين الماضيين لم تعط القرار السياسي للدولة القوة بقدر ما أضعفته وجعلته خاضعا لضغوط خارجية قوية من قبل الأسواق التي تستقبل الإنتاج الصيني العملاق.
وربما نتذكر هنا أزمة المنسوجات الصينية عام 2005 عندما أغلقت في وجهها أسواق أوروبا وأميركا لعدة شهور مما كاد أن يؤدى لكارثة اقتصادية واجتماعية في الصين، وأغلقت معها آلاف المصانع بعد أن تكدس الإنتاج في المخازن.
كما أن الصين كادت أن تتعرض لأزمة طاقة حادة في العام الماضي بسبب الارتفاع الحاد في أسعار النفط لولا الدعم الروسي لها، والسبب في ذلك أيضا هو اندفاع عجلة الإنتاج وعدم القدرة في التحكم فيها.
مشاكل كثيرة تواجه الصين بسبب التنمية الإنتاجية المندفعة، البعض منها ناقشها المؤتمر الأخير والبعض الآخر لم يناقش، لكنه من الواضح أن هذا المؤتمر سيشكل نقطة تحول جديدة في مسارات الصين القادمة في كافة المجالات، وعلى رأسها المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.