من عادة الفنون والآداب أن تعبر عن العصر الذي تُقدّم من خلاله، ولعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا إننا ننظر أحيانا إلى بعض النصوص الفنية والأدبية كوثيقة تاريخية بشكل أو بآخر، إذ نحكم على عصر ما من خلال نصوصه -الشعرية خصوصا، وأحيانا النثرية- ومن أبسط ما يمكن أن يُستدَل به في هذا السياق الدراسات التي تقدم أحيانا للتعرف إلى نوعية المأكولات في أحد البلدان في عصر محدد، أو طبيعة الزي السائد في مكان ما وفي زمان ما، واختلافه باختلاف الأمكنة في الزمان الواحد، أو اختلافه باختلاف الأزمنة في مكان واحد.
إن النصوص الرئيسية التي يُعتمد عليها في مثل هذه الدراسات هي النصوص الأدبية. ومثل هذه الدراسات لا تتعلق بالأدب العربي وحده؛ فالدراسات التي قُدمت -من هذا النوع- في الأدب الغربي، - كتلك التي تستقي مادتها من نصوص شكسبير، على سبيل المثال- خير مثال على ذلك.
ليس مطلوبا من الأدب والفن أن يكون نسخة «طبق الأصل» من واقعه، ولا أن يقدم لنا التاريخ موثقا، ولكن يجدر به ألا يكون مخالفا له، وألا ينقل للأجيال اللاحقة صورا مختلفة أو مزيفة عن واقع الزمان والمكان اللذين يمثلهما فنيا وأدبيا.
وإذا كان الفن والأدب في العصور القديمة يظهران أكثر ما يظهران من خلال النصوص الشعرية وأنواع من النصوص النثرية، فإن الأمر اختلف اليوم، إذ تنوعت وسائلهما، وأصبح كل منهما يضم عددا من المجالات الفرعية التي تُدرَج ضمن هذه المفاهيم الواسعة - الفن والأدب والثقافة-.
مناسبة هذا الكلام الآن هي أنني كثيرا ما أفكر في الصورة التي ستتشكل في أذهان الذين سيأتون بعدنا من خلال الإرث الفني والأدبي الذي سنتركه لهم، فهل هذه الصورة متوافقة مع واقعنا الحالي، ومعبرة عنه بأمانة. ربما تجدر بي الإشارة مرة أخرى إلى أنني لا أطالب الفن بالتحول إلى وثيقة، ولكنه يقوم ـ شئنا أم أبينا ـ بدور الشاهد على العصر، والناقل لتفاصيله.
ولو توقفنا قليلا عند الفن المرئي «الخليجي»، وأقصد به الدراما التلفزيونية تحديدا، - كما سيشمل كلامي الأغاني المصورة ـ بطريقة الفيديو كليب ـ أيضا، بوصفها جزءا من الفن المرئي، إذ لم تعد الأغاني اليوم تُسمع فقط، بل تُرى، أو بالأصح لا بد أن تُرى وتُشاهد-، سنجد الكثير من الملاحظات التي يمكن الوقوف عند كل منها وقفات مطولة، ولكني سأتطرق إليها بكثير من الاختصار ضمن هذا الحيز المتاح.
إن عددا كبيرا من المسلسلات «الخليجية» يمكن القول إنها تكتسب صفة «الخلجنة» من كونها تقدم قصة لكاتب خليجي، بأداء ممثلين خليجيين، وبإنتاج خليجي، لكن عدا ذلك يبدو لي أنها لا تقترب من المجتمعات الخليجية، ولا تصلح لإعطاء صورة عن واقع الأسرة الخليجية، أو عن المرأة الخليجية، ولا حتى عن الرجل الخليجي.
السوداوية التي تغلف المسلسلات الخليجية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة مثيرة للانتباه، وتنسج ألف علامة تساؤل خلال مدة عرض الحلقة الواحدة التي لا تتجاوز الساعة إطلاقا. ولا أعرف إن كان واقعنا شديد السواد إلى هذه الدرجة التي تظهر في الدراما «الخليجية»، لكني أستطيع أن أحكم بأننا نعيش في غابة إن كان هذا واقعنا كما هو ظاهر من خلال هذه الأعمال الدرامية التي تُشعر المشاهد بأنها تمثل عالما بعيدا عنه، أو بأنه يعيش في عالم آخر دون أن يدري.
ولأن عنصر المضمون قد سبق انتقاده كثيرا في مقالات سابقة لعدد من الكتّاب الذين شعروا أيضا أنهم يرون ما لا يمتّ لهم بصلة مقدما من خلال الشاشة الصغيرة للمشاهدين على اتساع الكرة الأرضية باسمهم، فسأركز على عنصر آخر يحتاج أيضا إلى إلقاء الضوء عليه، وهو عنصر الزي، فكثير من الممثلات يظهرن في الدراما الخليجية بزي لا يمثل الزي السائد في الدول الخليجية التي لا تزال محافظة على أصالتها وهويتها العربية الإسلامية، وما يظهر في سلوك البعض لا يمكن تعميمه على الجميع.
قد يقول البعض إن هذا الزي الذي يظهر في كثير من المسلسلات الخليجية أصبح هو الزي السائد في بعض دول الخليج، ولكن الواقع هو أن هذا أيضا حكم عام، وقد سمعت من عدد من الإخوة والأخوات من تلك الدول أن هذا الذي نراه على الشاشة الصغيرة لا يمثل مجتمعهم، وأن نساءهم أكثر احتشاما من الصورة التي يحاول الإعلام تقديمها عنهم.
إن هذه المقالة لا تطرح الجانب الأخلاقي -على أهميته- فيما يتعلق بالزي النسائي، ولكنها تبحث في مدى مطابقة ما يقدم على الشاشة مع الواقع الذي يُفترَض أن هذه الدراما تجعله بؤرة اهتمامها وتثير قضاياه وتعرضها أمام المشاهدين.
مساحيق التجميل تدخل أيضا ضمن هذه الفكرة، إذ تبدو المرأة الخليجية مولعة بها، فلا تستغني عنها حتى حين تكون نائمة، فشكلها حين تستيقظ من نومها لا يختلف عن شكلها وهي في حفلة زفاف على سبيل المثال.
كما أن ما ترتديه من ملابس وما تضعه من مساحيق وهي في منزلها خلال أي ساعة من ساعات النهار أو الليل لا يختلف عما تكون عليه وهي خارج المنزل حتى إن كانت في مركز شرطة! ولكن هل يمثل كل هذا واقع المرأة الخليجية بأمانة؟ أو يمثل حرص الممثلات ورغبتهن في أن يظهرن جميلات، ضاربات عرض الحائط بأي شيء آخر، كالمصداقية الفنية.
وإذا انتقلنا إلى الأغنية «الخليجية» الحالية سيحضر التساؤل نفسه؛ فهل يمكن أن تكون هذه الأغنية دليلا لأي باحث يهمه أن يعرف طبيعة المجتمعات الخليجية من خلال الصورة التي تقدمها الأغاني المصورة؟ وهل نضب خيال المخرجين الذين لم يجهدوا أنفسهم في ابتكار أفكار جديدة لم يسبقهم إليها أحد تتناسب مع النصوص الخليجية التي يصورونها حتى يستعيروا ما سبق تقديمه عربيا عند مطربين آخرين أخذوه بدورهم عن مطربين غربيين؟
إن هذه الأغاني المصورة تجعل كل المطربين العرب -على كل الاختلافات القائمة بينهم- نسخا من بعضهم، كما تجعل من هؤلاء جميعا نسخا من المطربين الغربيين، وكأن الخيال المبدع وَقْف على العقل الغربي الذي قُدِّر له أن يفكر نيابة عن العقل العربي.
ولكن الصورة ليست مظلمة تماما، إذ يوجد عدد من الأعمال الدرامية ومن الأغاني المصورة التي تعبر عن المجتمعات الخليجية، وتقدم الفن الخليجي في أرقى صوره، جامعة بين طريفه وتالده. وأجد مسلسل «فريج» الكارتوني الذي قُدم على شاشة «سما دبي» خلال شهر رمضان للسنة الثانية على التوالي أنموذجا مميزا يحتم عليّ الإشارة إليه والإشادة به.
وقد يحق لنا أن نتساءل عن سبب نجاح هذا المسلسل الكارتوني، الذي يعتمد على أربع شخصيات نسائية رئيسية، ويقدَّم على حلقات منفصلة بحيث تطرح كل حلقة قصة أو موضوعا مختلفا عما تم طرحه في الحلقة السابقة.
وقد حظي بإقبال جماهيري شديد، على الرغم أن من عادة الجماهير المشاهِدة الاندماج أكثر مع المسلسل المتسلسل الذي تترابط أحداثه وتستمر على مدى حلقات متواصلة، لأنه يحرك في نفس المشاهد بذرة التشويق التي تجعله ينتظر الحلقة التالية ليعرف ما حدث في اللحظات الأخيرة من الحلقة السابقة، التي يتعمد المخرج إنهاءها في مشهد يثير الكثير من الأسئلة لديه.
وأعتقد أن إجابة التساؤل تكمن في فكرة جوهرية ترتبط ارتباطا مباشرا بموضوع سطوري هاته، وهي أن المسلسل يمثل المجتمع الخليجي بطريقة تجعله الأقرب إلى واقعه، فالحضارة موجودة فيه جنبا إلى جنب مع الأصالة والتراث، دون أن يطغى أحدهما على الآخر أو يلغيه، وهو بهذا يمثل المجتمع بما فيه من سلبيات قبل الإيجابيات التي يجب أن يُشار إليها أيضا كي تُعزَّز في نفوس المشاهدين، خصوصا صغار السن منهم.
وبهذا أعتقد أن هذا المسلسل يصلح لأن يكون وثيقة فنية إماراتية خليجية تحتاج إلى أن نرعاها ونحافظ عليها، ونوليها الكثير من الاهتمام، وأن نطرح من دائرة اهتماماتنا كل ما من شأنه أن يقدم صورة مزيفة عنا في الحاضر والمستقبل.
جامعة الامارات