رأيت بعيني في صعيد مصر وقراها أطفالا تبدو عليهم سمات العبقرية منذ الصغر، لكن الزمان طواهم وتحولوا إلى مجرد نقطة في بحر البشر المصري، ذلك أنهم لم يجدوا يدا تتعهدهم بالرعاية فافترسهم الفقر، وقضى على نبوغهم .

نفس الأمر يمكن أن تجده في كل بلد عربي، فهذه الأرض الخصيبة لا تبخل علينا بالبشر، لكننا نبخل عليها بالتخطيط والسعي لاستعادة أمجاد الماضي، ونترك أنفسنا للسلبية واللامبالاة.. والنتيجة طحن عظام الأوطان والتخلف عن ركب حضاري إنساني وقوده العلم والمعرفة، وطموحه اجتياز كل الآفاق لتحقيق سعادة الإنسان ورفاهه.

في بلادنا جمعيات لرعاية الموهوبين والنابغين، لكن حماس القائمين عليها لا يلبث أن يفتر بسبب البيروقراطية، ومع الوقت تتحول إلى جمعيات ورقية شأنها شأن أشياء كثيرة في حياتنا، كما أن هناك أشخاصاً يؤرقهم الحال فيبدأون خطوات لا تتسع أعمارهم لإكمالها، فالأمر يحتاج إلى مؤسسات وأموال وقفية تدر عائدا دائما، كما أنه بحاجة إلى خطط طويلة الأمد.. تبدأ بالبحث عن النابغين والتقاطهم عبر أفراد يتم تدريبهم بعناية على هذا الأمر وإنشاء مدارس خاصة بهم تتناسب مع توهج أذهانهم.

ثم تعهدهم بالرعاية والموالاة حتى يتموا دراساتهم العليا في جامعات تتيح لطاقاتهم أن تنطلق، ولعبقريتهم أن تتفتح وتثمر، والخطوة الأهم هي إيجاد مناخ جيد يعملون فيه ومؤسسات طامحة لا تكتفي بمجرد اللهاث وراء المخترعات الغربية، بل تبدأ من حيث انتهى الغرب وتعتبر نفسها في سباق وتنافس معه .

فالنوابغ العرب إما أنهم يتعرضون للإهمال وبالتالي يصابون بالإحباط ويضيعون، وإما أن تلتقطهم إحدى الدول الغربية وتحتضنهم ليبدعوا لها ومن خلالها، وبالتالي يكون ولاؤهم للعلم أولا ولأوطانهم الجديدة التي أتاحت لهم إظهار نبوغهم وعبقريتهم ثانيا، وفي خضم هذا قد يحنون لأوطانهم الأصلية، لكنهم سرعان ما يصدمون ويعودون أدراجهم إلى بلدان تتيح لهم حرية التحليق.

طوال عقود تباكينا كثيرا على ظاهرة نزيف الأدمغة والرحيل شبه الجماعي للعباقرة ولحملة أعلى الشهادات في التخصصات النادرة والاستراتيجية كالجراحات الدقيقة والطب النووي والعلاج بالاشعاع والهندسة الالكترونية والميكرو الكترونية والهندسة النووية وعلوم الليزر وتكنولوجيا الانسجة والفيزياء النووية وعلوم الفضاء والميكروبيولوجيا والهندسة الوراثية،.

ولم تبخل علينا الاحصاءات بأرقام تبعث على البكاء، فتقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية في الوطن العربي للعام 2002 وتقرير منظمة العمل العربية يؤكدان أن نحو مليون خبير واختصاصي عربي نصفهم حملة ماجستير ودكتوراه يعملون في الدول المتقدمة أغلبهم في أميركا وكندا وبريطانيا وأستراليا وأن العالم العربي يخسر سنويا 200 مليار دولار جراء هجرة هذه العقول (تخسر مصر وحدها ربع هذا الرقم) . وإذا قارنا الخسائر المادية بجملة الخسائر نجدها الأدنى، فالهجرة تترك آثارا سلبية على التقدم والتطور المطلوب في الميادين العلمية والفكرية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية، مما يعوق التنمية والإصلاح ويفاقم مشاكل التخلف.

كما تضرب الهجرة في العمق مجال إنتاج المعرفة، فيضعف الفكر العلمي والعقلاني، وينتشر الدجل والتطرف والانسحاب من الحياة، كما نظل طرفا مهزوما في صراعنا ضد إسرائيل والهيمنة الغربية، ذلك لأن عدم مواكبة الثورة العلمية يحرمنا من أحد أهم عوامل النصر.

وإذا كان وزير العلم البريطاني الأسبق اللورد هيلشام كان يصرخ عام 1963م قائلا :«إن الولايات المتحدة تعيش على حساب عقول أناس آخرين» فإن العرب اليوم أولى بهذه المقولة، ذلك أن أميركا وكندا وبريطانيا تتصيد ثلاثة أرباع المهاجرين العرب أصحاب الكفاءات، كما أن ثلث الكادر الأعلى في الجهاز الطبي البريطاني هم من العرب.

وإذا كانت مبادرة دبي العطاء ابتغت تعليم مليون طفل فقير سعيا لنقل العرب والمسلمين إلى آفاق معرفة أرحب ورسم البسمة على شفاه محرومين من التعليم، فإن الأولى أن يخصص جزء مما ستسهم به الحملة في رعاية النوابغ، وتأهيلهم لنقل المجتمعات من الظلمات التي تعيشها إلى نور السباق المعرفي النبيل الذي تخوضه الأمم المتحضرة.

ان دبي حينما تلتفت إلى هذا الجانب إنما ترمي بذورا في أرض خصبة مضمونة النتائج، فلو كان من بين المليون طفل مئة أو ألف عالم عربي نابغة تعهدتهم الحملة بالرعاية لتغيرت حسابات المستقبل.

وإذا كان بعض المفكرين يرى أن نزيف الأدمغة أعمق وأخطر وأشد إيلاما من نزيف الدم العربي، فإن الأولى أن تخصص ربع المبالغ التي يتم جمعها لرعاية النوابغ العرب، فذلك أمر لن تنساه الأجيال القادمة وسيترك آثاره على مستقبل كل فرد في هذا الوطن الكبير.

magdishendi@hotmail.com