أصبح سؤال تجديد الخطاب الديني المعاصر يلح أكثر من أي وقت مضى وأصبحت مساحته تتسع يوماً بعد يوم، خاصة بعد أن نجحت الجماعات الإسلامية في الفترة الأخيرة في السيطرة على الكثير من الأحداث الدولية بعد أحداث سبتمبر وأحداث العنف والإرهاب التي امتدت في مناطق كثيرة في العالم، ولسان حال المجتمع الدولي كان دائماً ما يشير بأصابع الاتهام للإسلاميين.

مما جعلهم تحت الأضواء الدولية، وداخلياً نجاحهم في الوصول إلى العديد من مراكز اتخاذ القرار سواء الاستحواذ على معظم مقاعد المجالس البرلمانية أو الوصول إلى رئاسة الوزراء أو قيادة المقاومة في عدد من الدول العربية.

فأصبح الخطاب الإسلامي نتيجة لهذه الأسباب تحت المجهر ومسلطة عليه الأضواء أكثر من أي وقت مضى، ناهيك عن قوة حضور النص الديني في حياة الشعوب العربية والإسلامية فهو بمثابة الشريان الرئيسي الذي تنبض به حياة الشعوب وقد حظي الخطاب الديني بأهمية استثنائية في العالم العربي والإسلامي خاصة بعد ردة فعل الغرب والولايات المتحدة الأميركية.

وعليه يبرز السؤال عن المقصود بالخطاب الديني، وماذا يعني التجديد، وما هي آلياته ووسائله، وما هي مستوياته وأنواعه، وما هي وجهة رأي الناس من مفهوم التجديد، وهل التجديد بالفعل ضرورة ملحة، أم انها من دواعي الترف الفكري الذي يتشدق به المهمومون ليل نهار.

الخطاب الديني في الواقع هو جزء رئيسي من الخطاب الإنساني البشري، وليس المقصود به الدين وإنما هو خطاب عن الدين، فالدين به ثوابت والثوابت لا مساس بها أبداً لا من قريب ولا من بعيد، وإنما طريقة عرض هذه الثوابت التي لا بد أن تتغير من فترة إلى أخرى حتى تتناسب مع لغة كل عصر، فهذا التغيير الذي يمس الوسائل هو المقصود به بالتجديد.

وفكرة التجديد متأصلة في الفكر الإسلامي، فالإسلام دائماً ما يحث على التجديد والتطوير، والقرآن الكريم سار على نفس هذا المنهج فلم ينزل بأسلوب واحد على جميع الأقوام، فالقرآن المكي على سبيل المثال يختلف عن القرآن المدني، فالأول يتميز باعتماده على أسلوب الزجر والنهي عكس الثاني وذلك على حسب طبيعة كل قوم. فالله عز وجل قال في كتابه العزيز: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)، واللسان هنا لا يعني اللغة وإنما يقصد به الخطاب الموجه.

فالتجديد في الأساليب والعرض والمضامين والمواضيع هو من سمات التقدم والتطور التي هي سمة من سمات الكون والطبيعة، أما أن يبقى الخطاب على ما هو عليه من مضامين ومواضيع وبنفس الوسائل والأساليب التي يعرض بها من مئات السنين فهذا ما تسأمه النفوس وتمله.

وحتى نستطيع أن نصف الخطاب الإسلامي بأنه تجديدي لا بد من توفر حرية البحث في التاريخ الديني الذي يستدعي رفع الحصار عن العقل والتزود بمناهج النقد التاريخي التي تفحص التراث وتأخذ منه العناصر القابلة للنماء والتطور وتترك العناصر التي أصبحت من شواهد التاريخ. ويمكن تقسيم مستويات الخطاب الإسلامي التي شهدتها الدول العربية وفق هذا المنهج العلمي إلى ثلاث مستويات متمثلة في التالي:

1- هناك الخطاب الذي يشجع على التطور والازدهار والتجديد، وما يميز هذا الخطاب بأنه لا يقبل أن ينقل التراث الإسلامي مثل ما هو بل يعرضه لمنهج التمحيص والتدقيق وهو هنا يستخدم آليات العقل ويقدمها على كل ما سواها.

وبالتالي تظهر ملكة النقد واضحة عند أصحاب هذا المنهج الذي يعرف بالمدرسة العقلية الحديثة والتي تأسست في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر على يد مجموعة من رواد النهضة الإسلامية من أمثال الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده ورشيد رضا، واشتهرت هذه المدرسة بتجديدها الفقهي وذلك بترجيح كفة العقل على النقل.

وقد كانت لهذه المدرسة الفقهية النقدية مساهمات كثيرة في ما يسمى في تجديد بعض النصوص التراثية كتقديم تفسير مختلف لآيات القرآن يعتمد على الاجتهاد العقلي الحر، كما كانت لهم آراء نقدية تتعلق بروايات الحديث النبوي. ثم توالت بعد ذلك أسماء عديدة من الشخصيات التي قادت هذا الخطاب التنويري فيما بعد من أمثال علي عبدالرزاق وطه حسين ومحمد حسين هيكل وغيرهم، وقد كانت لهم استنباطات وآراء جديدة تتعلق ببعض الموضوعات في التاريخ الإسلامي.

2- أما المستوى الثاني من مستويات الخطاب الإسلامي، فهو المتمثل في الخطاب المحافظ الذي يسعى للحفاظ على الواقع الراهن ويتمسك بما أنتجه الأجداد والأسلاف باعتباره تراثاً مقدساً لا يجوز نقده أو المساس به. وبالتالي تتحول تجربة الماضي إلى يوتوبيا يجب فرض نموذجها على الواقع الراهن ولو باستخدام القوة.

ويكفر أصحاب هذا النموذج المجددين ويعتبرهم ضمن فئة الكفار وهم المسؤولين في نظرهم عن قيادة المجتمعات الإسلامية نحو التغريب. وهم موجودون بكثرة في هذه الفترة بالذات ويحاولون نشر فكر التزمت وإلغاء الآخر، وإن خاطبتهم بخطاب العقل والحجة ومقتضيات العصر الراهن تجابه منهم بأبشع التهم. والغريب في هذا التيار أنهم يكفروا إخوانهم في نفس العقيدة والمنهج إن خالفوهم في الأساليب، ويمكن أن نسوق هنا مثال وهو المتمثل في الحرب الخفية بين السلفية وبين من يسمون بالدعاة الجدد.

3- أما المستوى الثالث فهو المتمثل في التحالف البراغماتي النفعي الذي يتم بين الايديولوجيا السياسية وبين العقيدة الإسلامية، وهنا نقصد التحالف الذي يحدث بين النظام السياسي عندما يسخر الإسلام لخدمة أغراضه وطموحاته، وهذا ما تعكسه فترة السبعينات والثمانينات والفترة الحالية في العديد من الدول العربية.

ويكفيك أن تقرأ التصريحات التي تصدرها بعض الجهات الدينية البارزة على مستوى الوطن العربي وهي تدافع عن الأنظمة وتكفر من ينتقد هذه الأنظمة لتؤمن بقوة هذا التحالف البراغماتي القائم بين الجهتين. وعندها يفقد الخطاب الإسلامي مصداقيته عندما يتحول إلى لسان السلطة يأتمر بأمرها وينتهي لنهياها ويحث الرعايا على إطاعة النظام حتى ولو كان على باطل وذلك في سبيل تحقيق منافع للطرفين.

تبقى هناك كلمة للمزايدين على موضوع التجديد باعتباره طرحاً أمريكياً وغربياً واستشراقياً خاصة في هذه الفترة بالذات؛ صحيح أن هناك ضغطاً خارجياً تلعبه بعض الجهات الدولية ولكن قضية التجديد عرفتها المجتمعات العربية منذ عصر الرواد الأوائل كما ذكرنا أعلاه، ولكنه توقف فيما بعد ورحلت الأسئلة الرئيسية المتعلقة بأسئلة النهضة والتي تدور فحواها حول لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا إلى وقتنا الحالي.

وهناك في الواقع من يحاول أن يتجرأ ليجيب عن هذه الأسئلة ولكنه يتهم بالكفر والزندقة من قبل آذاناً رأت أن تصم سمعها عن صوت العقل والمنطق وارتأت المراوحة في المكان والاكتفاء بما أنتجه السلف وأسره في الصدور والعقول حتى يرث الله الدنيا وما عليها.

مركز زايد للتراث والتاريخ