هل بدأ فعلا العد التنازلي لزوال هيمنة الإمبراطورية الأميركية التي خططت لحكم العالم بيد من حديد؟ هل نصبح نحن، الشرق الأوسط (الجديد)، فوهة ذلك البركان الذي انفجر في جزيرة سانتوريني ليقضي على بعد مئات الأميال على حضارة المينوس التي ازدهرت آلاف السنين قبل الميلاد؟
الحقيقة أنه لا يمكن أن لا تسير الأمور بهذا الشكل وفي هذا الاتجاه، فلا يوجد في قاموس التاريخ كما في قاموس الكائنات الحية معنى لكلمة الأبدية، ففي يوم ما كان الفرس والرومان والإغريق أسياد العالم من شرقه لغربه، وزالت هذه الإمبراطوريات في غمضة عين، والسبب في ذلك الأفول يعود إلى بروز قوى جديدة على سطح الأرض قامت على أشلاء تلك القوى القديمة.
ومعظم هذه التغيرات تأتي نتيجة لحروب دموية قاسية وطويلة تخل بتوازن القوى المتحاربة بغض النظر عن النصر أو الهزيمة. فحتى المنتصر في تلك الحروب يخرج منهوك القوى، مزعزع الأركان، يعاني من النزيف حتى تحين لحظة سقوطه، لكن التحالفات الجديدة اليوم بدأت تعد العدة للأيام القادمة قبل موت الضحية. وبرز على السطح عدة مرشحين لتولي هذه المسؤولية الخطرة.
وكلها لو نظرنا تمثل دول كانت تشكل مناطق نفوذ وقوى وحضارة ذات وزن في التاريخ القديم. فهناك الصين والهند وإيران وروسيا. أما دول أوروبا كفرنسا وألمانيا وبريطانيا فإنها ما زالت متخوفة من هذا الأمر لعدة أسباب، منها أنها تشكل عضوا في اتحاد مازال يتشكل ويقوى اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ومتخوفا من أي مغامرة قد تودي بكل ما تم تشييده حتى الآن.
بالرغم من محاولات الحكومة الفرنسية الجديدة التي اشتمت رائحة ضعف الدور الأميركي لكي تلبس ثوبا أوسع منها بكثير وربما علمتها الأيام بأن الأمور لا تسير كذلك. الثقل اليوم ليس في النصف الغربي من الكرة الأرضية.
وجميع المؤشرات تدل على أنه انتقل إلى الشرق الذي فيما يبدو بدأ يستعيد ماضيه وحيويته التي سلبت منه سواء بالاستعمار أو الحروب الداخلية والخلافات الطائفية أو النزاعات الحدودية التي زرعها المستعمرون أثناء تواجدهم وقبل رحيلهم كسياسة (فرق تسد) التي ظنوا أنها ستمكنهم من التحكم بمصائر الشعوب.
صحيح أن هناك فوهات من البراكين المشتعلة منذ أكثر من 6 سنوات أو في انتظار الانفجار تمتد على خط مستقيم متواصل بدءا من أفغانستان مرورا بباكستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان ومنتهيا في فلسطين، إلا أن ذلك الخط، أو إن صح التعبير تلك الفوهات من البراكين النشطة، ربما عجلت دول كإيران وروسيا والصين في انتهاز فرصة الفوضى العالمية لكي تسوي أمورها.
فعلى سبيل المثال، بدأت بوادر تحالف إيراني ـ روسي في المنطقة، خاصة بعد رفض روسيا نشر الدرع الصاروخي الأميركي في أوروبا الشرقية. والذي سيشجع على هذا التحالف هو أن هاتين الدولتين كان لهما تاريخ من العلاقات المتشابكة في الماضي، تمتد إلى القرنين الثامن والتاسع عشر. وكان طموح روسيا آنذاك الوصول من خلال إيران إلى المياه الدافئة.
وقد استمر التعاون بين البلدين حتى بعد انقلاب الأنظمة فيهما، وعلى كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، خاصة بعد زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي إلى موسكو عام 2001 ولقائه مع الرئيس بوتين.
وصورة المصافحة التي نشرتها الصحف بين هذين الرجلين لها أكثر من مغزى. واليوم أيقنت روسيا أنه ربما حان الوقت لتحقيق حلمها القديم، الذي ضيقت الولايات المتحدة عليه الخناق بتحالفها مع إيران أثناء حكم الشاه. وإيران تريد حليفا قويا ضد التهديدات الغربية بسبب برنامجها النووي الذي تعتبره ضمان مستقبلها وبقائها.
كما أن الشرق الأوسط الإسلامي أصبح بعد فشل الولايات المتحدة الأميركية في فرض سيطرتها على بلاد ما بين النهرين، بلا حسيب ولا رقيب، ولم تغتنم أي دولة عربية هذه الفرصة لسد هذا الفراغ (البوليسي) إذا صح التعبير.
لذا، وأمام تعاظم قوة إيران في المنطقة بسبب صمودها على مدى سنوات طويلة أمام حصار وتهديدات ومحاربة الغرب لها، ونجاح تعنتها من جانب آخر أمام تهديدات الولايات المتحدة، في الوقت الذي بددت هذه الأخيرة حتى هذه اللحظة مترددة بين ضرب أو عدم ضرب مفاعلاتها النووية والعسكرية.
كما فعلت إسرائيل في العراق إبان حكم الرئيس السابق صدام حسين، أو كما فعلت الولايات المتحدة نفسها مع العراق حيث أحالتها إلى دمار شامل، أمام كل ذلك شعرت إيران بالقوة ـ خاصة وأن صمود مقاومة حزب الله في لبنان أمام الغزو الإسرائيلي - يعزى إلى دعم الجمهورية الإسلامية لها، وثقتها بأنه لن يوجد حل لأي مسألة في المنطقة دون أن تكون إيران حاضرة فيه.
ولكي تحافظ الجمهورية الإسلامية على هذا الموقف الذي بدأ يقوى شيئا فشيئا، وجدت أنه لابد لها من شريك على مستوى روسيا على الأقل. (هل لم يتنبه الغرب إلى هذه المعادلة البسيطة؟). وربما كانت اتفاقية 1995 الإيرانية الروسية لبناء المفاعل النووي في بوشهر بحيث ينتهي العمل به بعد سنتين من الآن، يمثل نقطة التحول تلك في تاريخ المنطقة. فروسيا أيضا تريد حليفا قويا وحليفا يعتمد عليه لأطول فترة ممكنة. وهكذا أصبحت إيران تمثل تربة خصبة لهذا التعاون. وجاءت الأحداث بما لم يتوقعه أحد، ولكي تصب في النهاية في مصلحة روسيا.
الطرف الآخر في هذا التحالف، قد يكون الصين. ونحن نعلم بأن إيران منذ البدء لم ترد الاعتماد كليا على روسيا التي تمارس عليها الولايات المتحدة وحتى وقت متأخر ضغوطا كبيرة. لذا اتجهت إيران منذ زمن طويل إلى إيجاد بديل آخر: الصين.
وهذه الدولة التي تسير على خطى الدول (العظمى) بدأت تشعر بأن الولايات المتحدة والغرب لا يستطيعان بعد اليوم التعامل معها كما كان في السابق، وأنه يحسب لها ألف حساب وحساب، وأن أي تحالف يضمها مع إيران وروسيا قد يزيدها قوة ودعما، وأن بقاءها متقوقعة على نفسها قد يضر بها وبمصالحها كثيرا، في عالم تتجه فيه الدول (بل حتى الشركات الكبرى) إلى مزيد من التكتلات العملاقة.
وبالتالي شهدت العلاقات الإيرانية الصينية قفزة مهمة وإذا بإيران تصبح عضوا في منظمة شنغهاي التي تأسست عام 2001 وكان هدفها العمل على قيام تعددية قطبية كتعبير عن رفض أحادية الولايات المتحدة في قيادة العالم، ومن ثم تجد الصين بجانب روسيا العضوين الدائمين في مجلس الأمن نفسيهما تدافعان عن حق إيران في اقتناء التقنية النووية.
هذه التطورات الحثيثة نحو التكتل والتحالف انتبهت إليه المملكة العربية السعودية قبل فوات الأوان، والتي أدركت بأن الغرب لن يستطيع بعد اليوم حمايتها في ظروف التطورات الراهنة التي تعصف بالمنطقة والتي عبرت بعد زمن طويل من الصبر والصمت عن إحباطها من التعامل الغربي الذي ينظر إليها كبقرة حلوب تدر النفط ليل نهار وبأسعار زهيدة.
والتي تعلمت درسا موجعا (في عدة مناسبات) بأن الغرب لا يعرف في علاقاته الصداقة والنزاهة والحميمية وإنما المصلحة الحاضرة والمستمرة، وأنه لن يتوانى في التخلي عنه وزعزة نظامه وإن استدعى الأمر إزالته بأي ذريعة كانت إن اعترضه أي شيء في طريق مصالحه. وإذا بالزيارات الرسمية على مستوى القمة تتفرع بين موسكو وطهران والرياض ودمشق.
الغريب في الأمر أنه في خضم هذه التكتلات والتحالفات في المنطقة تمر بعض الدول الحليفة الممتازة للولايات المتحدة بأزمات تهدد استقرارها وأمنها وربما تشهد قريبا انقلابا كبيرا في أنظمتها القائمة، كباكستان وأفغانستان.
حيث ان أي تغيير في النظام الباكستاني لا يستبعد أن يدفعها إلى الانضمام إلى التكتلات الجديدة السابقة الذكر، خاصة وأن الرئيس برويز مشرف في وضع لا يحسده عليه أحد . كما أن الولايات المتحدة وبدلا من حماية حلفائها التقليديين في المنطقة كتركيا، نجدها تثير معها عاصفة من الأزمات غير المجدية أدت في النهاية إلى استدعاء تركيا لسفيرها في واشنطن!
وهناك دول في المنطقة ربما بدأت بينها وبين نفسها تعيد النظر في مواقفها التقليدية السابقة نتيجة للمستجدات الحديثة على الساحة، وتحاول هذه الدول بالتالي أن تبحث لها عن حليف full option !
جامعة الإمارات