كما كان متوقعاً لم تتوصل قمة طهران لدول حوض بحر قزوين إلى تسويات محددة حول تقسيم ثروات حوض البحر، ولابد من الإشارة إلى أن الصراع في منطقة بحر قزوين ليس قانونيا وحسب، بل إنه اقتصادي وسياسي في المقام الأول، ونتيجة تعقد الوضع الجغرافي والجيوستراتيجي في منطقة بحر قزوين، من الطبيعي أن تتعقد تبعا لذلك أنماط التفاعلات والعلاقات والأزمات التي تمر بها هذه المنطقة.
وقد جاءت قرارات قمة طهران لتؤكد أن الخلافات مازالت قائمة، ومازالت المشكلة القانونية المتمثلة في اختلاف تحديد كل دولة من دول الإقليم لهوية بحر قزوين تسيطر على الحوارات بين هذه الدول.
ويبدو أن هذا الوضع دفع رؤساء البلدان المطلة على بحر قزوين (روسيا وإيران وكازاخستان وأذربيجان وتركمانستان) إلى التأكيد على أن الوضع القانوني للبحر سيتم تحديده بمعاهدة بين تلك الدول، وشددوا على أهمية إعداد تلك المعاهدة، التي ستكون الوثيقة الأساسية لتحديد الوضع القانوني لبحر قزوين، واعتبروا انه يجب أن تتم المصادقة عليها بإجماع الدول المطلة على البحر.
ومما لاشك فيه أن هذا الوضع إضافة للمصالح الاقتصادية لهذه الدول، تقدم لكل منها أكثر من خيار وأكثر من سيناريو لتتبعه، وكذلك تدفع الخلفيات السياسية للعلاقات بين هذه الدول إلى تبني مواقف وسياسات معينة، أو قد تؤدي الخلافات الاقتصادية والقانونية إلى تفجير وفتح ملفات سياسية.
وقد شهدت المرحلة السابقة خلافات وتحالفات بين هذه الدول، حيث تشكل منذ عدة أعوام ما يشبه التحالف بين الدول الثلاث (روسيا وأذربيجان وكازاخستان)، ما دفع إيران لشن حملات انتقاد حادة ضد روسيا، التي كانت ومازالت شريكا استراتيجيا لطهران في عدد من الملفات الدولية، إلا انها تخلت عنها في ملف بحر قزوين وشكلت جبهة معارضة لمصالحها!
وهكذا تتداخل الأبعاد السياسية لتزيد الموضوع تعقيدا، فإيران تساند الأرمن في النزاع القائم ناجورني كاراباخ، وترى أن بعض الدول المطلة على البحر ودولاً أخرى في آسيا الوسطى قد أصبحت رأس حربة لكل من الولايات المتحدة، إضافة لقلقها المتنامي من منافستها الإقليمية التقليدية تركيا المتحالفة مع أذربيجان، والتي تستعد لشن حملة عسكرية في شمال العراق، بهدف توسيع دائرة نفوذها في المنطقة.
تأتي هذه التناقضات على أرضية خلاف حاد بين واشنطن وطهران حول صيغة تقسيم ثروات بحر قزوين، وتؤيد واشنطن أذربيجان وتقف وراء مشروعات أنابيب النفط التي تمر بالأراضي التركية حتى تضمن تدفق نفط قزوين بعيدا عن روسيا وعن إيران، ولتحد من المكاسب والمزايا الاقتصادية التي يمكن أن تحصل عليها موسكو وطهران من ثروات بحر قزوين.
ويلقى حوض بحر قزوين - بشكل خاص المنطقة التي تضم أذربيجان وكازاخستان تركمانستان - اهتماما أميركيا خاصا، حيث تشير تقديرات وزارة الطاقة إلى أن الاحتياطي المثبت من النفط في حوض قزوين يتراوح بين 5 .17 مليارا و34 مليار برميل، والاحتياط المحتمل بنحو 325 مليار برميل.
واذا ثبت وجود هذه الكمية، فان حوض قزوين يمكن أن يصبح ثاني اكبر حقل للاحتياط غير المستخرج في العالم. وكي تضمن واشنطن تدفق قسم كبير من هذا النفط الى الغرب، بذلت جهودا كبيرة لتشييد البنية التحتية النفطية في تلك المنطقة. باعتبار أن بحر قزوين مغلق، ويتطلب نقل النفط والغاز من المنطقة مد شبكة أنابيب الى مناطق أخرى.
وكان الهدف الرئيسي لإدارة كلينتون في أواخر القرن الماضي الحصول على موافقة من دول القوقاز لبناء خطوط نقل جديدة من قزوين الى الاسواق في الغرب، تتجنب المرور عبر الاراضى الروسية، لضمان السيطرة الأميركية وإزاحة روسيا من مجال السيطرة على تسويق نفط بحر قزوين.
وعقب إنهاء تشييد خط أنابيب نقل النفط والغاز من باكو في أذربيجان الى جيهان في تركيا عبر تبليسي في الجمهورية السوفييتية السابقة جورجيا الذي تكلف أكثر من ثلاثة مليارات دولار، واستكمالا لجهود الرئيس كلينتون، بدأت إدارة بوش بتنفيذ خطط لتوسيع منشآت الإنتاج ومد الأنابيب في قزوين، إلا ان اعتراض دول وسط آسيا على تواجد القوات العسكرية الأميركية على أراضيها خلال العامين الماضيين.
واضطرار واشنطن لسحب قواتها من أوزبكستان تسبب في تعطيل الخطط الأميركية الساعية لتطوير قزوين ليكون مصدرا بديلا للطاقة، باعتبار مناطق القوقاز ووسط آسيا ليست مستقرة، ولابد من تواجد عسكري أميركي لضمان تنفيذ خططها بالسيطرة على نفط قزوين ونقله إلى أسواق الغرب.
وفى ظل هذه التحركات يمكن اعتبار بعض مقررات قمة طهران لدول حوض بحر قزوين ذات أهمية بالنسبة لكل من روسيا وإيران، حيث أعلنت دول حوض بحر قزوين انها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن عدوان على أي واحدة منها، وستواصل السعي لخلق وتعزيز الثقة المتبادلة والأمن والاستقرار الإقليميين وستمتنع عن استخدام القوة في العلاقات المتبادلة.
وشدد رؤساء الدول الخمس على أن القوات المسلحة لدولهم لن تستخدم للهجوم على أي دولة من الدول المطلة على بحر قزوين. ما يعني أن كلا من إيران وروسيا قد حصلتا على تعهد صريح من بقية الدول التي تربطها علاقات ومصالح وتشابكت مع الولايات المتحدة، من أن لا تكون الجسر أو السبيل الذي يمكن أن تستخدمه واشنطن لوقف جهود موسكو وطهران الساعية لإزاحة النفوذ الأميركي.
وتكمن أهمية حياد هذه الدول في الصراع في ان واشنطن ستواجه صعوبة كبيرة في اللجوء لاستخدام القوة بهدف بسط نفوذها على منطقة قزوين أو أجزاء منها. ويسود اعتقاد في موسكو أن إبطال مفعول السيناريوهات العسكرية الأميركية كاف لكي تحقق روسيا انتصارا وتتمكن من تنفيذ خططها لاستثمار ثروات بحر قزوين والسيطرة على طرق نقلها إلى الأسواق الغربية.
مركز دراسات الطاقة ــ روسيا
