بين زيارتها السابقة لكل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة في التاسع عشر من سبتمبر الماضي، وعودتها في الرابع عشر من الجاري جرى لقاء واحد بين الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت بدون أن يتحقق شيء تقريباً بالنسبة لما تنتظره الولايات المتحدة بشأن التحضير الناجح للمؤتمر الدولي.
الانجاز الوحيد، وهو شكلي إلى أبعد الحدود، تمثل في تشكيل طاقم مفاوضات فلسطيني وإسرائيلي للبدء بإعداد صياغات لما يمكن الاتفاق عليه، عقدا اجتماعاً واحداً قبل أسبوع من وصول رايس لإسرائيل والثاني انعقد بعد يوم واحد من بدء جولتها المكوكية، وحينها فقط عين أولمرت وزيرة خارجيته المتطرفة تسيبي ليفني رئيسة لوفده التفاوضي مقابل أحمد قريع كرئيس للوفد الفلسطيني وهو رئيس وزراء سابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح.
السلوك الإسرائيلي يتعمد استهلاك الوقت بدون طائل أملاً في تراجع الإدارة الأميركية عن دعوتها للمؤتمر غير المرغوب بالنسبة لإسرائيل، والتهرب من بحث القضايا الجوهرية من واقع كونها لا تمتلك رؤية واضحة للمفاوضات، وبسبب اختلاف الآراء داخل الائتلاف الحكومي مما يجعل الحفاظ على الائتلاف الأولوية بالنسبة لأولمرت، ويعزز مناخات الإحباط والتشاؤم عند منتظري نجاح المؤتمر الدولي.
مساعد رايس ديفيد ولش قد استبق زيارتها ليتابع عن كثب انطلاق عمل اللجان التفاوضية بهدف دفع المفاوضات، وليقدم لرايس النصيحة فيما ينبغي عليها أن تفعله خلال زيارتها، التي أكثرت خلالها من التصريحات بشأن وضوح كل ما يتعلق بالمؤتمر، في ضوء شكاوى بعض العرب من غياب الوضوح بالنسبة للموقف الأميركي، وتعثر عملية التحضير له، مما دعا القاهرة للمطالبة بتأجيله.
مراراً تحدثت رايس خلال جولتها الأخيرة عن إمكانية وضرورة التوصل إلى وثيقة جديدة لدفع عملية السلام الشامل، وتحقيق رؤية الدولتين، لكنها اصطدمت بالحاجة لإجراء لقاءات مع أقطاب حكومة أولمرت لمساعدته على إزالة الاعتراضات، وتشكل رؤية موحدة إزاء ما يمكن تحقيقه في المفاوضات مع الفلسطينيين ومن خلال المؤتمر الدولي.
رايس التي صرحت بأن انعقاد المؤتمر ونجاحه يشكل مصلحة للولايات المتحدة وهي المرة الأولى منذ سنوات التي تعلن فيها ذلك، لاحظت أن إسرائيل تتعمد تعطيل إجراءات بناء الثقة مع الفلسطينيين وأنها لا تنفذ ما يجري الاتفاق عليه فضلاً عن أن استمرار سياسة الاستيطان تلحق أضراراً بليغة بعملية بناء الثقة وتطور المفاوضات لكنها لم تفعل شيئا إزاء ذلك.
فقبل وصولها بيوم واحد، اتخذت لجنة وزارية قراراً لمعاودة أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة، وقبلها كانت إسرائيل قد صادرت نحو ألف وخمسمائة دونماً في محيط القدس، لشق طريق وتوسيع مستوطنة معالين أدوميم. بهدف إكمال عزل القدس.
الذريعة الإسرائيلية لسياستها التعطيلية موجودة، وهي حين تستدعي الحاجة تتمثل في غياب الشريك الفلسطيني القادر على محاربة ما يسمى بالإرهاب، وفي انقسام السلطة إلى اثنين في رام الله وغزةأما في رام الله فقد استمعت رايس إلى شكاوى مريرة من الرئيس محمود عباس والمسؤولين الفلسطينيين بصدد عدم جدية حكومة أولمرت وعدم تنفيذها ما تتعهد به من التزامات يتم الاتفاق عليها، وعن استمرار العدوان الإسرائيلي.
واستمرار الاستيطان وخلق الوقائع المعطلة لعملية السلام ورؤية الدولتين، على أن الشكوى الأهم ترد ضمناً وبطريقة غير مباشرة، إذ يتخوف الإسرائيليون أو حتى الأميركيين بدفع العملية السياسية، وبعد أن يكون العرب قد دفعوا مسبقاً ثمن عملية سلمية شكلية ومعطلة.
لذلك يصر الجانب الفلسطيني على وثيقة إطار ملزمة، تعالج كل قضايا الوضع الدائم ووفق جدول زمني، أو تاريخ هدف يعتقدون أنه ينبغي أن يكون في غضون ستة أو سبعة أشهر كافية للتوصل لاتفاق، خلال ما تبقى من ولاية الرئيس بوش التي تنتهي في الثاني والعشرين من يناير 2009.
يخشى الفلسطينيون من أن الولايات المتحدة تريد المؤتمر في حد ذاته، والتهرب من استحقاقات ما بعده انطلاقاً من حسابات تتصل بالدور اليهودي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ولأنها غير قادرة على تنفيذ تهديداتها بعد الذهاب إلى المؤتمر في ضوء التوقعات المتشائمة، بما ينطوي عليه ذلك من استحقاقات وتحديات صعبة، فإن القيادة الفلسطينية تسعى وراء الحصول على ضمانات حقيقية بشأن ما يصدر عن المؤتمر، ومتابعة ما بعده وأيضاً بشأن ضرورة توحيد الموقف العربي بما لا يؤدي إلى تحقيق خسارة صافية للعرب والفلسطينيين.
أمام هذه الصعوبات والتحديات وتضارب الرؤى، أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية رايس أنها لن تلجأ إلى خيارات الضغط على إسرائيل، الأمر الذي يعكس شعوراً بالحاجة لممارسة هذه الضغوط المطلوبة لإنجاح المؤتمر. فإذا كان لا بد من زحزحة أحد الموقفين الإسرائيلي والفلسطيني فإنها ستختار للضغط على الطرف الفلسطيني، الأضعف في المعادلة، الذي عليه أن يخفف سقف مطالباته وتوقعاته وأهدافه إلى ما دون سقف الموقف الأميركي الذي يلح على رؤية بوش لتحقيق الدولة الفلسطينية باعتباره عودة إلى الحلول الجزئية.
ولأن الموقف الأميركي على المحك مباشرة هذه المرة، فإن رايس تعرج على بعض العرب خصوصاً مصر لمساعدتها في تليين الموقف الفلسطيني، ومن القاهرة تستجيب لطلب مصر تأجيل موعد انعقاد المؤتمر من أجل إتاحة المزيد من الوقت اللازم للتحضير الجيد والناجح لانعقاد المؤتمر.
فبالرغم من أن مصادر عديدة مسؤولة ومعنية، أعلنت عن موعد انعقاد المؤتمر في السادس والعشرين من نوفمبر القادم وعن مكانه وبالتأكيد وفقاً لمصادر أميركية، إلا أن رايس قالت في المؤتمر الصحافي مع وزير الخارجية المصري أحمد أبوالغيط أن المؤتمر لم يتحدد موعده وأن الرئيس بوش تحدث عن انعقاده في الخريف، وقد بقي من هذا الفصل شهرا نوفمبر وديسمبر، في إشارة إلى إمكانية تأجيل الموعد ولكن ليس إلغاؤه.
وفي والواقع فإن رايس التي استهلت زيارتها الأخيرة لإسرائيل بخفض سقف التوقعات المرتقبة، تحدثت في القاهرة بلغة متحمسة ومتفائلة أكثر، وأصدرت لمضيفيها المصريين تطمينات غيرت لهجتهم ويبدو أنها نجحت في تبديد مخاوفهم، ولكنها حين تعود مرة ثانية إلى رام الله فإنها تفقد تلك الحماسة وتتراجع عن تفاؤلها.
تعود رايس إلى واشنطن لكي تقدم تقريرها للرئيس، وربما تكون بحاجة إلى قراءة أعمق لإمكانيات نجاح أو فشل المؤتمر، فيما يعود الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي كل ليفرغ أمام الآخر مخاوفه في إطار منهج استهلاك الوقت، وممارسة التضليل والمراوغة، ذلك أن كلاً من الطرفين له حساباته التي تتضارب مع مصالح الآخر، ولا يجدا من يستطيع جسر الهوه بينهما.
فإذا كانت التسوية تتطلب تنازلات مؤلمة وإذا كان نجاح مؤتمر الخريف يتطلب الاصطدام بالزجاج، فإن حكومة أولمرت مهدده بالانهيار تحت وطأة الخلافات الجدية بين أطرافها، إذ سيترتب عليه أن يختار بين دفع عملية السلام أو الاحتفاظ بائتلافه الحكومي.
ولا يختلف كثيراً الأمر على الضفة الأخرى، حيث سيؤدي نجاح الفلسطينيين في تحقيق بعض أهدافهم من المؤتمر، إلى تقوية سلطة الرئيس محمود عباس، في مواجهة تحدي الانقسام وسيطرة حماس على غزة، أما الفشل فإنه قد يدفع الوضع الفلسطيني إلى منزلقات أشد خطورة مما هو عليه الحال. هل تنجح رايس وإدارتها في معالجة هذه التناقضات وتبديد كل هذه المخاوف.
بحيث يلبي المؤتمر الدولي مصالح الأطراف الأساسية التي ستحضره عدا عن حرص الولايات المتحدة على تحقيق مصالحها؟ ثمة وقت للحكم ولكن النتيجة قد تكون التراجع عن فكرة عقد المؤتمر، خصوصاً وهي تختم زيارتها بالقول «لن نحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في نوفمبر أو ديسمبر القادمين».
كاتب فلسطيني