يستعد الإسرائيليون لإحاطة الذكري السنوية الستين لصدور قرار تقسيم فلسطين في 29 /11/ 1947 بزفة سياسية إعلامية دعائية كبيرة. ولعل أول ما يعن للخاطر بالخصوص أن المناسبة ذاتها تثير لدى الطرف الفلسطيني (والعربي عموماً) مشاعر تراوح بين الأسى والغضب والحزن.

ومن المعلوم بالخبرة والسوابق أن التضاد بين الإسرائيليين والصهاينة ومحازبيهم وبين الفلسطينيين والعرب ومناصريهم في استقبال بعض الأيام والمناسبات والمواسم، يندرج في جملة المعطيات والوقائع الرمزية، التي تلهب الذاكرة وتعزز شحنة العداء والتنافر بين الطرفين.. إذ إن كل ما يحتفي به ويبتهج الطرف الأول، لا سيما على الصعيد السياسي، يعتبره الطرف الثاني من دواعي الغم والألم ونكء الجراح التاريخية.

يقال في كل حال إن الإسرائيليين يزمعون إجراء محاكاة لعملية التصويت التي جرت على قرار التقسيم، وذلك في حضور بان كي مون أمين عام الأمم المتحدة الذي سيدعى للمشاركة. ومن المؤكد أن تمثيلية كهذه لن تستطرد إلى المناظرات التاريخية والقانونية الكبرى التي شهدتها قاعات الأمم المتحدة وأروقتها وكواليس السياسة الدولية، قبل أن يخرج القرار على الشاكلة التي خرج بها.فالرواية الحقيقية لمراحل اتخاذ هذا القرار الخطير وحيثياته تبدو مخجلة بالنسبة للصهيونية العالمية وللعواصم الغربية وفي طليعتها واشنطن.

مثلاً، لن تتضمن المحاكاة العتيدة شيئاً عن آليات الترغيب والترهيب إلى حد التهديد المباشر التي لجأ إليها البيت الأبيض الأميركي،من أجل تحويل مواقف بعض الدول إلى التصويت لصالح التقسيم. لن يتحدث الإسرائيليون عن الشعور بالذنب وتأنيب الضمير الأخلاقي والحقوقي الذي اجتاح مندوبي هذه الدول وهم يصوتون على القرار بالإيجاب.وسوف يتجاهلون مشهد مندوب هاييتي وهو يصوت بنعم للتقسيم وعيناه تفيض بالدمع وقلبه ينفطر من شدة ما أكره عليه.

قريباً سوف يمارس الإسرائيليون تقليدهم القديم في تلفيق رواية يوم قرار التقسيم.وهنا لربما كان من المناسب تنشيط ذاكرتهم وذاكرة من تعنيهم مراجعة ما جرى في ذلك اليوم المنكود، أن نثير في وجوههم بعض التفصيلات ذات الصلة..

أولاً: استهدف القرار فرضاً وجدلا إقرار السلم والأمن في فلسطين وجوارها.. لكن هذا الهدف لم يتحقق البتة. لقد صدق توقع رافضي القرار في حينه وبعد حينه، بأنه يتعارض مع كل من اختصاصات المنظمة الدولية وأهدافها وسوف يؤسس لصراع ضروس.يشهد بذلك نهر الدم الذي تلا يوم صدور القرار إلى ساعتنا هذه.

ثانياً: كان لرفض القرار عربياً ما يبرره بالنظر ليس فقط لخروجه عن صلاحيات الجهة المصدرة له، وإنما أيضاً وأساساً لعدم منطقية أو اتساق الخرائط التي اشتقها بالتقسيم جغرافياً وسكانياً. إذ كيف يمنح أقل من ثلث سكان فلسطين ـ وجلهم من المستجلبين من جهات الدنيا الأربع ولا يملكون أكثر من 5 في المئة من أراضيها ـ نحو 55 في المئة من البلاد؟

تبكيت العرب على هذا الموقف بأثر رجعى يجافي أبسط قواعد التحليل العلمي التي تنصح بالحكم على سياسة مرحلة بظروفها ومحدداتها لا بظروف ومحددات مراحل تالية. والحق أن أية محاكاة منصفة لما تم في سياق قرار التقسيم بمعطياته الموضوعية، سوف تقضى بصحة التصويت العربي في وقته.

ثالثاً: يلوي الحقائق التاريخية والقانونية عن موضعها من يزعم بأن الرفض العربي للقرار هو المسؤول عن إفشاله وعن تقويض السلم في فلسطين «والشرق الأوسط».. الصحيح أن ذلك الرفض استمر لشهور معدودات.

وحتى إذا كان العرب قد تنكروا للقرار عند صدوره، فإن إسرائيل من جانبها لم تطبق القرار بعد صدوره.. فهي احتلت 20 في المئة من فلسطين زيادة على المساحة المخصصة لها ثم إنها تمددت بالقوة لاحقاً على كامل التراب الفلسطيني، ولم تصدر دستوراً لها وفقاً لنص القرار وجوبا، وبسطت يدها إلى القدس المشمولة بالحماية الدولية خارج إرادة المشرع الدولي، وهجّرت بالإرهاب العاري زهاء 800 ألف عربي من ديارهم الواقعة بمنطوق القرار تحت سيادتها وسيادة الدولة الفلسطينية، واحتلت قرى عربية غير فلسطينية في الجنوب والشمال..

فكيف يوسم الفلسطينيون والعرب وحدهم بنبذ القرار؟. أين الخريطة الإسرائيلية الجغرافية والسكانية (حتى قبل 1967) من خريطة الدولة اليهودية في قرار التقسيم لعام 1947؟. بل أين هي حدود إسرائيل المعلنة بحسب هذا القرار أو بعيداً عنه إلى ساعتنا هذه؟.

رابعاً: لا يعيب العرب جميعاً أو بعضهم رفض القرار عن صدوره بسبب محتوياته الظالمة شكلاً وموضوعاً ثم المطالبة بتطبيقه لاحقاً. إذ إن ردهم هذا لا يسقط حجية القرار ومرجعيته ولا يفقده مفعوله. مثل هذا الموقف العربي لا يعد بدعاً من نماذج أخرى راجعت فيها بعض الأطراف مواقفها منتقلة من الرفض إلى القبول بقرارات أممية معينة.

خامساً: تتأكد صدقية الملاحظة السابقة من أن القرارات الدولية تصدر للتطبيق وليس للتفاوض حولها بعد الإقرار،لأنها تنشأ أصلاً عن تفاوض مسبق. وإذا تمتع قرار ما بقوة الجبر والإلزام فإن الجهة المصدرة له تكون مطالبة بتطبيقه باستخدام الأدوات المحددة لذلك. لكن الأمم المتحدة أثبتت ميوعة إزاء هذه القواعد والاستحقاقات،ولم تضطلع بإلزام إسرائيل بنص قرار يفترض قبولها له.

وهكذا فان التقصير في جنب قرار التقسيم جاء عن كل من العرب باعتبارهم رافضين له ولو لفترة، والإسرائيليين لانحرافهم عن نصوصه ومقتضياته عملياً، والأمم المتحدة التي لم تلزم المخاطبين به بالآليات المتوفرة لها.. ولأن القرار لم يفقد مفعوله ولا هو قابل للتقادم فإن الفرصة ما زالت متاحة لمساءلة هؤلاء عنه.

إلى ذلك كله فإن إسرائيل آخر من يحق له الاحتفاء بالأمم المتحدة وقراراتها، كونها أكثر الدول عصياناً لأوامر المنظمة الدولية ونواهيها. ثم إن إسرائيل لا تملك منافسة العرب في مضمار الطاعة والانصياع لمبادئ هذه المنظمة وشعائر القانون الدولي بعامة، وهي الدولة المدرجة على رأس قائمة الدول الأكثر تهديداً للسلم والأمن الدوليين وتمرداً على الشرعية الدولية.

من حق بان كي مون الاستجابة لدعوة إسرائيل بالمشاركة في مهرجانها العتيد، لكن واجبات موقعه ووظيفته تلزمه بانتهاز المناسبة لتذكير مضيفيه بفضل منظمته عليهم وبتقصيرهم في حقها واستحقارهم لها.. من واجبه أن يسألهم عما ارتكبوه من جرائم وآثام ضد مكانة الأمم المتحدة ومقامها، بحسبهم أكثر من نبذها ظهرياً وعض يدها التي يزعمون أنها أمدتهم بشرعية الحياة والوجود.

إذا ما تجرأ الأمين العام إلى هذا الحد، فإنه لن يكون قد خرج عن أدب اللياقة ولا عن جوهر المناسبة. ذلك لأن إسرائيل تحتفل بقرار تعاملت معه بانتقائية فتعلقت ببعض بنوده دون البعض الآخر، وهي تعاملت مع سائر قرارات المنظمة الدولية بالمنهجية ذاتها.ولا أدل على هذا مثل استحضارها لقرار التقسيم دون غيره.

كاتب وأكاديمي فلسطيني