شهدت العلاقات بين روسيا وإيران على مر الزمن خلافات حادة وجفوة كبيرة وصراعا حول النفوذ في بحر قزوين ومنطقة القوقاز و آسيا الوسطى، وقد خاض البلدان أكثر من حرب في القرن التاسع عشر. ولم تتحسن العلاقات بينهما أبان حقبة الإتحاد السوفييتي في القرن العشرين فقد كانت إيران حليفة للولايات المتحدة وعضواً مؤسساً في منظمة المعاهدة المركزية (حلف بغداد).

وحين جاءت الثورة الإيرانية اتخذ الخلاف طابعاً آخر على الرغم من انفصال إيران عن التبعية للمعسكر الغربي، إلا أن هذه العلاقات قد شهدت تحولاً حاسماً في بداية ولاية فلاديمير بوتين الرئاسية الثانية عام 2005، وذلك عندما بدأت السياسة الخارجية لروسيا نحو الشرق الأوسط تتسم بمعالم استقلالية واضحة بعد انقضاء فترة النقاهة من مرض التبعية للولايات المتحدة التي كانت أبرز المعالم في السياسة التي اختطها بوريس يلستين أبان فترة رئاسته.

فقد وقعت إيران وروسيا في نوفمبر من عام 2005، وللمرة الأولى، اتفاقية تقوم روسيا بموجبها بتجهيز إيران بمعدات عسكرية تبلغ قيمتها مليار و400 مليون دولار، تضمنت 29 منظومة صواريخ فعالة للدفاع الجوي ومعدات أخرى لتحديث الطائرات الإيرانية العسكرية من طراز سوخوي ـ24 وميغ ـ29.

اكتسبت زيارة الرئيس بوتين إلى طهران قبل أيام قليلة، وهي أول زيارة يقوم بها رئيس روسي لطهران منذ زارها الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين عام 1943، أهمية خاصة على أكثر من صعيد على الرغم من أنها تندرج من الناحية الرسمية في إطار قمة الدول الخمس المطلة على بحر قزوين.

فرغم أن جدول الأعمال تناول ثروة بحر قزوين من النفط والغاز وكيفية تقاسمها بين الدول المطلة عليه هي التي تحتل الموقع الأهم على مائدة الحوار، إلا أنه كان المرجح، في ظل الظروف الدولية المعقدة التي ترتفع فيها قعقعة السلاح وتتطاير التصريحات النارية، أن يكون محور النقاش في المحادثات الثنائية بين بوتين ونجاد الملف النووي الإيراني و مفاعل بوشهر الذي ينتظر وصول الوقود من أحد المحطات النووية في سيبيريا.

لقد سبق وأن تلقى الرئيس بوتين دعوات عديدة لزيارة طهران إلا أن ذلك لم يتحقق بسبب عدم رغبته في إثارة خلاف مع واشنطن وحلفائها الغربيين الذين قد يعتبرون قيامه بزيارة خاصة بمثابة تحد لسياساتهم الهادفة لفرض عزلة على إيران.

وتعتبر هذه الزيارة مناسبة مهمة لطهران التي تراهن على روسيا والصين من أجل عرقلة الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية لتضييق الخناق عليها ومواجهة الضغوط التي تتعرض لها بسبب برنامجها النووي.

وتأتي زيارة بوتين هذه بعد أيام قليلة من اختتام الرئيس الفرنسي ساركوزي زيارته لموسكو تعرض فيها الرئيس الروسي إلى ضغوطات جديدة من ضيفه الفرنسي الذي اقتربت مواقفه كثيراً من الموقف الأميركي إزاء الملف النووي الإيراني، تجد موسكو نفسها في موقف غريب لا يخدم مصالحها، فهي ترى بأن علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية في حالة تدهور بسبب موقفها من الأزمة النووية الإيرانية، هذا في الوقت الذي تتدهور فيه علاقاتها مع إيران نفسها.

فالولايات المتحدة لا تمتلك أدوات ضغط على إيران إلا من خلال دول أخرى أبرزها روسيا التي تمتلك علاقات قوية معها إلا أنها من وجهة نظر الغرب لا تقوم بما يكفي من الضغوط عليها.

بدأت العلاقات الروسية الإيرانية بالتدهور منذ عدة شهور بسبب قضيتين مهمتين ترى فيهما إيران مساساً بأمنها القومي وهما:

1. اقتراح الرئيس بوتين أن تكون أذربيجان المجاورة لإيران مكاناً لنشر الدرع المضادة للصواريخ الذي تزمع الولايات المتحدة إقامته في كل من تشيكيا و بولندا.

2. تقاعس روسيا في تزويد إيران بالوقود النووي لمفاعل بوشهر بسبب خلافات حول تسديد المستحقات المالية، حسب ما تدعيه روسيا، وهو ما تنفيه طهران.

تشترك روسيا مع الولايات المتحدة وأوربا في موقف موحد لمنع إيران من الحصول على القدرات التي تمكنها من الحصول على السلاح النووي، إلا أنها في الوقت نفسه تعارض بشدة اتخاذ أي إجراء عسكري ضد إيران وتعارض كذلك رفع سقف العقوبات ضدها.

فهي تفضل الاستمرار في سياسة ممارسة الضغوط والحوار في آن واحد لإقناع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي مقابل بعض الامتيازات، كما حصل مع كوريا الشمالية.

لقد أكد الرئيس الروسي على الدوام بأن روسيا لا تمتلك من المعلومات ما يشير إلى رغبة إيران في الحصول على السلاح النووي، وليس هنالك من أدلة تدعم اتهام إيران بذلك. وفد عبر وزير خارجيته سيرجي لافروف عن وجهة نظر بلاده في عدم الموافقة على رفع سقف العقوبات بالقول «إن القيام بتحرك متعجل بشأن البرنامج النووي الإيراني قبل أن تكمل الوكالة الدولية للطاقة الذرية عملها سيكون تحركاً غير مسؤول».

روسيا دولة عظمى تسعى للعودة بقوة إلى التأثير في الساحة الدولية، فهي تنظر بانزعاج شديد إلى الوجود الأميركي الكثيف في الشرق الأوسط خاصة وأنها ترى بلداناً مثل العراق الذي كان حليفاً تقليدياً على مدى نصف قرن من الزمن للإتحاد السوفييتي قد أصبح في قبضة الولايات المتحدة. فزيارات بوتين إلى عدد من دول الشرق الأوسط التي لم تخف توجساتها حول حقيقة النوايا الأميركية هي في الحقيقة تمهيد لقيام حلف غير معلن تقوده موسكو لوضع العصي في عجلة القاطرة الأميركية في الشرق الأوسط.

روسيا في أشد الحاجة إلى توطيد علاقاتها، على مختلف الأصعدة، مع دول الشرق الأوسط، ولكن هل ستستمر في موقفها الداعم لإيران، أم ستتخلى عنها تحت تعاظم الضغوط التي تتعرض لها؟.

من المستبعد أن تتخلى روسيا عن إيران فذلك يلحق أضراراَ كبيرة بسياستها ومصالحها في الشرق الأوسط، إلا أن المرجح هو أن تضاعف الضغوطات عليها لجعل برنامجها النووي أكثر شفافية أمام العالم والحصول على شهادة بذلك من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ولا يخفى على من يتابع مسار الأحداث المرتبطة بالأزمة النووية الإيرانية أن يرى بأن روسيا التي طالما قاومت الضغوط الغربية عليها لوقف تعاملها النووي مع طهران قد بدأت ترى نفسها خاسرة طالما استمرت طهران بالمناورة وكسب الوقت مفترضة أن الدعم والحماية الذي تلقاه منها ومن الصين سيستمر بلا نهاية مما يتيح لها الوصول إلى أهدافها النهائية من المشروع.

والحقيقة ان روسيا قد باشرت بالفعل تسليط الضغوط على إيران منذ أوقفت تصدير الوقود النووي لمفاعل بوشهر قبل عدة شهور. فالتأخير في تصدير الوقود لا يعود إلى الأسباب المعلنة من جانب روسيا وهي تقاعس إيران في سداد المبالغ المستحقة أو عدم استكمال الجوانب الفنية التي تتعلق بوضع أختام الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وإنما استجابة للضغوط التي ما انفكت الولايات المتحدة تمارسها عليها وعلى الصين وعلى الدول الأوروبية التي لها علاقة بمفاعل بوشهر لإعاقة وصول المعدات والوقود إليه وذلك لتلافي حصول تلوثات نووية في المنطقة، خاصة مياه الخليج، حين يتعرض هذا المفاعل لعملية تدميرية.

كاتب عراقي

majamal@emirates.net.ae