الرباعية التي انعقدت في موسكو في الأيام الماضية والتي ضمت وزيري الخارجية رايس ولافروف ووزيري الدفاع جيتس وسيرديوكوف ربما تكون الأولى من نوعها في تاريخ البلدين، وتعكس واقع أساسي ومكرس بين البلدين وهو تباين وتناقض الاستراتيجيات والأهداف والمصالح وفي نفس الوقت السعي الدائم للبحث عن نقاط التقارب والتفاهم حتى ولو ظلت الخلافات على ما هي عليه، هكذا كان حال البلدين في زمن الحرب الباردة بين المعسكرين وحالها الآن، وعلى ما يبدو أن هذا الحال سيبقى ربما لعقود أخرى قادمة.

فقد شاء القدر ألا يتفق هذان البلدان وأن تتناقض مصالحهما دائما، وقد يكون السبب في ذلك طبيعة السياسة الأميركية المنطلقة من مبدأ الهيمنة العالمية وشمولية مصالحها لكل بقعة في العالم، وقد يأتي التناقض أيضا من خوف روسيا الدائم من مساعي واشنطن والغرب الدؤوبة لمحاصرتها وعدم السماح لروسيا بالخروج للساحة الدولية بإمكانياتها الهائلة حتى لا تعود لها أحلامها وطموحاتها الإمبراطورية.

لقد أعلن في وسائل الإعلام عن أن الرباعية اجتمعت لتناقش ثلاث قضايا أساسية هي نظام الدفاع الصاروخي الأميركي وعزم واشنطن على نشره بالقرب من الحدود الروسية في تشيكيا وبولندا، والقضية الثانية معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية الاستراتيجية المسماة «سولت 1» وإعادة إحيائها من جديد، والقضية الثالثة معاهدة الحد من القوات المسلحة التقليدية في أوروبا وقرار روسيا تجميد عضويتها فيها حتى يتم تعديلها.

قد تكون بالفعل هذه القضايا الثلاث محل نقاش رباعية الوزراء في موسكو، ولكن ليس من المتصور أن يخلو هذا اللقاء الاستثنائي الفريد من نوعه من مناقشة أزمة البرنامج النووي الإيراني المتصاعدة بحدة في الأيام الأخيرة، بل أن الكثير من المراقبين يعتقدون أن القضايا الثلاث المعلن عنها لم تكن محل حوار الرباعية حيث انها قضايا طويلة الأجل وليست ملحة ولا تشكل أية تهديدات في الوقت الحاضر ويمكن تأجيلها أو مناقشتها عن طريق لجان فنية متخصصة، أما لقاء الرباعية الاستثنائي فيعتقد الكثير من المراقبين أنه انصب بالتحديد على الأزمة الإيرانية، خاصة وأن موسكو تعتقد، وربما لديها معلومات مؤكدة بأن واشنطن أعدت العدة لتوجيه ضربتها العسكرية لإيران قبل نهاية العام الجاري.

وهذا الاعتقاد يدعمه عاملان أساسيان وهما:

الأول الاستعدادات العسكرية الأميركية الكبيرة والاجتماعات المستمرة داخل البنتاجون، والثاني أنه لو جاء العام 2008 ولم تنفذ إدارة بوش ضربتها فسيكون من الصعب عليها وربما من المستحيل تنفيذها في عام انتخابات الرئاسة الأميركية التي تتفرغ فيه كافة المؤسسات هناك للانتخابات وغير مقبول فيه إقبال الإدارة الحاكمة في البيت الأبيض على اتخاذ قرارات بالحرب الهجومية بل يجب عليها أن تترك الأمر للإدارة القادمة لتبحث الوضع من وجهة نظرها طالما لا توجد تهديدات آنية ملحة.

مساعي موسكو في الأيام الماضية كلها تدور حول تصاعد الأزمة الإيرانية التي احتلت حيزا كبيرا من حوار الرئيس بوتين مع نظيره الفرنسي ساركوزي في موسكو منذ أيام، كما احتلت الحيز الأكبر من حوار بوتين مع نظيرته الألمانية أنجيلا ميركل في مدينة فيسبادن الألمانية في منتصف الشهر الجاري أثناء انعقاد الجولة التاسعة من الحوار بين البلدين.

كما أن كافة المؤشرات والمعطيات تؤكد أن قمة دول بحر قزوين التي انعقدت في طهران يوم الثلاثاء الماضي إنما انعقدت بصفة استثنائية وبشكل متعمد في طهران ليس لبحث قضايا توزيع ثروات بحر قزوين كما هو معلن بل بهدف بث رسالة عاجلة لواشنطن للتريث والرجوع عن قرارها بمهاجمة إيران، حيث ان موعد القمة ليس الآن بل مفترض في العام القادم، ولم يسبق هذه القمة أي لقاءات للجان متخصصة من بلدان بحر قزوين الخمسة كما هي العادة لمناقشة القضايا الخاصة بتقسيم ثروات البحر بينهم قبل انعقاد القمة.

كما أن موسكو هي الداعية للقمة والتي يعتقد أن الرئيس بوتين قصد من ورائها قبل رحيله من السلطة في مارس القادم أن يؤكد لواشنطن وللأوربيين أن ضرب إيران أو حتى تشديد العقوبات عليها أمر مرفوض من دول المنطقة ومن غالبية المجتمع الدولي الذي تدميه وتؤلمه المأساة الإنسانية الكبرى التي تجري في العراق على مدى أربعة أعوام مضت بسبب رعونة السياسة الأميركية.

لقد أكد الرئيس بوتين ثلاث مرات خلال الأيام العشرة الماضية على عدم وجود أدلة على أن ايران تسعى لامتلاك السلاح النووي، وذلك خلال لقاءاته مع ساركوزي وإنجيلا ميركل وقادة دول بحر قزوين، كما طالبت موسكو بإعطاء فرصة أكبر للحوار بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، هذا الحوار الذي شهد مؤخرا تطورات إيجابية تبشر بإمكانية تفعيل الحلول الدبلوماسية، مما لا يعطي أي مبرر لاتخاذ قرارات حادة لا تحسب عقباها على جميع الأطراف.

ما يثير دهشة موسكو الآن بالتحديد ليس نية واشنطن توجيه الضربة لإيران بل موافقة الأوربيين وأطراف أخرى إقليمية على توجيه هذه الضربة، وهو الأمر الذي لم يكن موجودا منذ أشهر قليلة حيث كانت ألمانيا وفرنسا ومعظم دول الشرق الأوسط وما يجاورها ضد أي استخدام للقوة ضد إيران، وكان الأوربيون بالتحديد يطالبون بإعطاء كافة الفرص للحوار الدبلوماسي، ثم فجأة تغير الموقف وتحول الجميع إلى مؤيدين لأقصى العقوبات على إيران بما فيها استخدام القوة، هذا على الرغم من عدم وجود أية تطورات جديدة في الأزمة الإيرانية تستدعي هذا التحول المفاجيء والذي تفسره موسكو بالجهود التي بذلتها الدبلوماسية الأميركية خلال الشهرين الماضيين في تجميع أكبر حشد دولي وإقليمي لخطواتها القادمة.

وليس من المستبعد أن يكون لقاء رباعية وزراء الدفاع والخارجية الروس والأميركيين في موسكو في حد ذاته جولة أخرى وربما الأخيرة للدبلوماسية الأميركية لإقناع روسيا بالانضمام للحشد الأميركي ضد إيران، وإلا ما الداعي للقاء وزيرى الدفاع ووزيري الخارجية معا، خاصة وأن تصريحات الوزراء بعد اللقاء لا تبشر بأي خير، بل على العكس خرج وزيرا الخارجية يؤكدان على بقاء الخلافات بينهما.

على ما يبدو أن روسيا أصبحت هي العقبة الوحيدة أمام واشنطن لتنفيذ مخططاتها ضد إيران، لكنها بلا شك عقبة كبيرة وصعب تجاوزها أو التغاضي عنها.

جامعة سيبيريا