الولايات المتحدة الأميركية دولة عظمى متفوقة في كافة المجالات وصاحبة إبداعات سياسية واستراتيجية غير مسبوقة في التاريخ ولا ينازعها أحد في حقها الأدبي والفكري والتنفيذي لهذه الإبداعات، ولعل أشهرها التي عرفها العالم عنها وانكشفت العديد من أسرارها مؤخرا هي نظرية «صناعة العدو».

هذه النظرية التي انفردت بها الولايات المتحدة وتألقت فيها على مدى أكثر من سبعة عقود مضت والتي انكشفت مؤخرا العديد من أسرارها (الشيطانية) خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي يستعصي على العقل البشري حتى الآن هضمها واستيعابها بالشكل والأسلوب الذي تمت عليه وأيضا يصعب تصديقها وفق الطرح الأميركي لها .

كانت الحرب العالمية الثانية أول ظهور وخروج حقيقي للقوة العسكرية الأميركية عبر المحيط، فلقد كانت المشاهد الأولى في هذه الحرب بمثابة عرض سينمائي مثير للشعب الأميركي القابع في أمان في قلعته الحصينة على الشاطئ الغربي من الأطلسي بعيدا عن كل المخاطر والتهديدات.

ولم يكن في تخطيط ولا ذهن الزعيم الألماني هتلر أن يقترب من هذا المارد الأميركي العملاق ذي القوة الجبارة والبعيد عن أوروبا ليثيره ويضطره للانضمام لأعدائه والحرب ضده، كلنا نعلم أن هتلر حاول في البداية أن يبعد بريطانيا نفسها عن الحرب مطمئنا إياها بعدم الاقتراب من مستعمراتها أو المساس بمصالحها ورفض تشرشل العرض.

كما عقد هتلر اتفاقا مع الزعيم السوفييتي ستالين ليتجنب دخول الاتحاد السوفييتي في الحرب ضده ونقد ستالين الاتفاق بعد ذلك، فهل يعقل لهتلر أن يسعى عبر المحيط ليثير الولايات المتحدة ويبث في الشعب الأميركي الرعب ليضغط على حكومته لتدخل الحرب؟

وهل يصدق أحد أن تخطط اليابان بمفردها لضرب الولايات المتحدة وهي إحدى دول المحور الخاضع لقيادة هتلر وتوجيهاته، وكيف قطع الأسطول الياباني آلاف الكيلومترات دون أن يقترب منه أحد ليضرب قاعدة «بيرل هاربر» وما هو الهدف من وراء ذلك؟

لقد انتهى العدو النازي الألماني وأصبحت واشنطن بحاجة لعدو جديد، وكان العدو في هذه المرة جاهزا و مفصلا حسب الطلب وهو الاتحاد السوفييتي الذي أطلقت واشنطن عليه لقب «إمبراطورية الشر» واستخدمته كذريعة ومبرر لفرض هيمنتها العسكرية على الأوروبيين ولتدبير المؤامرات والانقلابات وخوض الحروب في كمبوديا وفيتنام وكوريا وأميركا اللاتينية وغيرها من أماكن أخرى في العالم.

ومع هدوء الحرب الباردة في مطلع الثمانينات من القرن الماضي وانحسار الحروب وبداية ظهور عوامل الضعف في المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفييتي، ومع مجيء الرئيس رونالد ريجان الذي يعتبره اليمين المحافظ المتشدد في واشنطن بمثابة «الأب الروحي» له، استلزم الأمر تطوير نظرية صناعة العدو.

فظهرت لها إضافة جديدة وهامة وهي نظرية «العدو الموثوق فيه»، والتي يشرحها الكاتب الأميركي الشهير نعوم تشومسكي في كتابه «تواريخ الانشقاق» فيقول «العدو الموثوق فيه هو العدو الذي لا ينتهي ولا يضعف ولا يتراجع عن تهديداته ولا يدخل في تسويات وحوارات أو مفاوضات سلمية».

وبعد انطلاق مصطلح الإرهاب الدولي في عهد الرئيس ريجان وانطلاق الحملات العسكرية الأميركية على بعض بؤر الإرهاب أجري استطلاع للرأي ليجيب المواطنون الأميركيون على سؤال «هل تفضل إنقاص الإنفاق في المجال الاجتماعي أم في المجال العسكري؟».

وجاءت الإجابات بنسبة 80% تطالب بتخفيض الإنفاق العسكري، هنا أدرك اليمين المحافظ في البيت الأبيض أن الأعداء الموجودين على الساحة ليسوا محل ثقة، ومن هنا بدأ التفكير في عدو موثوق فيه أكثر شراسة وقوة يجلب الخوف والرعب للشعب الأميركي على أرضه ويكون في نفس الوقت مجهول الهوية الوطنية أي غير معروف مكانه بالتحديد وقابل للتواجد في كل مكان وزمان وأيضا غير قابل للتفاوض أو التراجع أو المساومة.

ومن هنا جاء اختراع الإرهاب الدولي الحالي الذي نسب زورا للمسلمين والإسلام، وتم الإعداد والتخطيط بدقة متناهية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي جاء توقيتها مع عودة الجمهوريين للحكم بعد ثماني سنوات عجاف في ظل حكم الديمقراطيين كادت خزائن مؤسسات التصنيع الحربي الأميركية الخاصة أن تفرغ فيها تماما.

أما عن الأسباب التي دفعت الجمهوريين وبالتحديد اليمين المتشدد فيهم للبحث دائما عن عدو، وما دور مجمع الصناعات الحربية وأباطرة النفط الأميركيين في هذه النظرية التي أجمع المحللون على أنهم المستفيدون الوحيدون من ورائها، فلنا حديث آخر عنها.

elmoghazy@hotmail.com