عكفت خلال أيام عيد الفطر المبارك على قراءة بضعة أبحاث طلابية تتعلق بإحدى المسابقات الثقافية التي نجد لها حضورًا بين حين وآخر، من ناحية الفكرة والتنظيم، ولكننا نجد غيابًا على مستوى المشاركة الحقيقية والفعلية من قِبَل طلبتنا.
وللقارئ أن يتخيل شخصًا يقضي إجازة العيد وهو بصحبة «كومة» من الأوراق التي يظن قبل أن يبدأ في قراءتها أنها ستكون ممتعة، ومفيدة، وستقدم له معلومات جديدة وحديثة بالنسبة للمواضيع التي لديه فكرة سابقة عنها، في حين ستقدم له بقية الأبحاث معلومات في مواضيع جديدة ومبتكرة لم يسبق له الاطلاع عليها، وهذه هي المتعة الحقيقية التي ينتظرها المهتمون بالأمور البحثية.
إلا أن النظرة الأولى على عناوين الأبحاث كانت كفيلة بأن تئد هذا الأمل، فكما يُقال «الجواب يظهر من عنوانه»، وعناوين هذه الأبحاث كانت كافية لأن تؤكد لأي إنسان ـ مهتم أو غير مهتم بالبحث العلمي ـ أنها في مجملها لا تقدم جديدًا، ولا تعدو أن تكون نسخًا مختصرة لبعض المراجع المعروفة في موضوع البحث.
واللافت للنظر هو أن عناوين الأبحاث المشاركة في هذه المسابقة تكاد تكون نسخا شبه موحدة من بعضها، وكأن الذين كتبوها كانوا على اتفاق مسبق بخصوصها.
وإذا تجاوزنا عن تشابه العناوين الذي يعني ضمنيا تشابه الأفكار المطروحة وألقينا نظرة على قائمة المصادر والمراجع فسنجد أن القائمة تكاد تكرر نفسها من بحث لآخر، مع تفاوت في عدد الكتب أو مواقع الإنترنت، وهذا يؤدي إلى أن يكون الكلام في متن البحت متشابهًا أيضًا، لأن كتابة البحث عند الطالب أو الطالبة الجامعيين يعني القيام بعملية نسخ ولصق من المراجع المختلفة.
وهذه العملية تسير بترتيب شبه ثابت ابتداء من التعريف وذكر الأقسام أو الأنواع، ثم الانتقال بعد ذلك إلى الطرق أو الوسائل، ثم إلى الصعوبات أو المعوقات، وهي عناوين جانبية تتكرر في معظم الأبحاث الطلابية، لذلك فإن مجموع الأبحاث المقدمة، لمسابقة أو لمساق علمي، تكون أشبه بالنسخ المتكررة للموضوع نفسه.
إن هذه الطريقة في التعامل مع المراجع وتوظيف المعلومات الموجودة فيها لا علاقة لها بأصول كتابة البحث العلمي؛ فأي إنسان يستطيع أن يجمع المراجع المختلفة وأن يأخذ من كل منها فكرة في فقرة أو اثنتين، أو حتى صفحة أو اثنتين، وأن يضعها جميعا بين ورقتي مقدمة وخاتمة (ولكل منهما صيغة شبه ثابتة في جميع أبحاث الطلبة ، مع اختلاف اسم البحث وعناوين الفصول فيها فقط)، فهل يعني هذا أن هؤلاء الطلبة كتبوا بحثًا علميًا؟ وهل يمكن أن نطلق على هذين الفعلين (القص واللصق) اسم البحث العلمي؟
وهل يمكن أن نفخر بأننا نعد باحثين علميين للمستقبل؟ طبعًا حسن الظن واضح جدا في تحليلي السابق للتشابه الملحوظ بين الأبحاث الطلابية، ولكن هذا ليس هو التحليل الوحيد، فجميعنا يعرف أنه يوجد سبب آخر غير اعتماد آليتي القص واللصق كوسيلة لإنجاز البحث المطلوب وهو أشد خطرًا وضررًا على الطالب نفسه، وعلى المجتمع من حوله.
وأقصد به وجود من يكتب البحث نيابة عن الطالب ـ أو الطالبة طبعًا ـ ، بمقابل مالي أو دون مقابل، ليقدمه الطالب إلى مدرس المادة، أو إلى مسابقة ما، وينال عليه الدرجات، أو يحوز على جائزة المسابقة، وذلك بماله وبجهد غيره!!
والطرف الذي يكتب البحث للطالب الجامعي إما أن يكون أحد أفراد أسرته ممن يستطيع القيام بذلك إما نتيجة الخبرة، أو حبًا منه في المساعدة، أو أن يكون أحد العاملين في المكتبات التي تعلن دون خجل عن استعدادها لكتابة الأبحاث الطلابية في زمن قياسي وبأسعار مغرية، ليتحول موضوع كتابة البحث من الحقل الأكاديمي إلى الحقل التجاري المادي.
وكثير من طلبتنا مستعدون جدا لأن يشتروا راحتهم بالمال، فنجدهم يدفعون ما يُطلَب منهم من مال مقابل كتابة البحث الذي لا يكون أكثر من قص ولصق أيضًا ليرتاحوا من عناء الذهاب إلى المكتبات وقراءة الكتب وتصفحها ثم اختيار الفقرات المناسبة للقص واللصق.
وعلى الرغم من أن معظم طلبتنا ـ وكلمة «معظم» هنا من باب التفاؤل ـ يقومون إما بعملية القص واللصق بأنفسهم، أو يلجأون إلى المكتبات لتقوم بها نيابة عنهم، ويُقدَّم ذلك تحت اسم (البحث العلمي)، والطالب يعرف، ويعرف أن أستاذه يعرف، أن ما قدمه لا علاقة له بالبحث العلمي من قريب أو بعيد، إلا أنهم يعيشون وهمًا كبيرًا، ويظنون أنفسهم باحثين حقيقيين.
ويرون لأنفسهم الحق في أن يطالبوا بدرجات كاملة أو شبه كاملة على الأقل، توازي الجهد الذي بذلوه في سبيل إعداد هذا البحث! ولكني أتساءل دائمًا: بأي حق يأتي الطالب ليطالب بدرجات عن جهد لم يبذله؟ وكيف يستطيع أن ينظر لنفسه باحترام وهو يقدم جهد الآخرين باسمه؟ وهل يرضى هو شخصيًا أن يُؤخذ جهده ويُقدَّم باسم شخص آخر؟
إن أزمة العلاقة بين الطالب الجامعي والبحث العلمي تتلخص في أن الطالب لا يكاد يعرف شيئًا عن معنى البحث العلمي، وفائدته، وكثير منهم لا يدركون لماذا نصر عليه، ولماذا نطالبهم بأن يتعبوا أنفسهم ويبذلوا كل طاقتهم في سبيل إنجازه على أفضل وجه، وهذا تقصير منا نحن الأكاديميين أكثر من أي جهة أخرى، ولكنه يعكس في الوقت نفسه قصورًا في حب عدد كبير من طلبتنا للمعرفة، وغياب حب الاستطلاع عندهم.
ويمكن لأي شخص مهتم بالبحث العلمي أن يمسك عينة عشوائية من أبحاث الطلبة في أي مادة من المواد، ليلاحظ مباشرة غياب شخصية الباحث، نتيجة جمع المادة بعشوائية من المراجع المختلفة ورصفها أسفل بعضها دون حتى محاولة الربط بين الأفكار المختلفة، والانتقال المفاجئ من فكرة إلى أخرى بحسب ما يتم نقله من مرجع تلو مرجع، وهذا أوضح مثال على عدم بذل الطالب أي جهد حقيقي في البحث والتنقيب عن المعلومات، والمقارنة والاستنتاج وغير ذلك.
كما لا بد أن يلاحظ أيضًا ركاكة الأسلوب، وعدم سلامة اللغة، نتيجة عدم الاهتمام بها من جهة، وعدم معرفة الصواب من الخطأ لغويًا من جهة أخرى، وكذلك نتيجة القيام بعمليتي القص واللصق من عدة مراجع مختلفة دون مراعاة اختلاف السياقات واختلاف بعض المواضع الإعرابية نتيجة ذلك.
ومن الملاحظات التي لا بد أن تبدو ظاهرة لكل ذي عقل ملاحظةٌ تتعلق بطبيعة اللغة نفسها؛ فكثير من طلبتنا لا يفرقون بين لغة البحث العلمي التي تغلب عليها الرصانة والإيجاز، ولغة الخواطر والكتابات الوجدانية أو لغة المقالات الصحفية، وهي ذات طبيعة مختلفة تمامًا عن لغة البحث العلمي. ولكن قلة خبرة طلبتنا من جهة، وقلة وجود الموجهين الذين يوجهونهم نحو أصول كتابة البحث العلمي من جهة أخرى، تجعلهم يخلطون الحابل بالنابل في كل شيء، وليس في طبيعة اللغة فقط.
وأعود مرة أخرى للأبحاث التي قضيت معها إجازة عيد الفطر، وأتساءل عن قيمتها، وقيمة تنظيم المسابقات البحثية إن كانت العلاقة أساسًا مضطربة بين طلبتنا والمكتبات التي لا يكادون يدخلونها في فصل دراسي كامل إلا في الأسابيع الأخيرة حين يحين موعد تسليم الأبحاث والتقارير، ليقضوا فيها بضع ساعات يجمعون فيها ما يُقدَّر لهم جمعه من المراجع، ثم يكتبون بحثًا بحسب ما هو موجود في هذه المراجع التي جمعوها؟
كما أتساءل عن قيمة هذه المسابقات -وقيمة الأبحاث التي نطلب من طلبتنا إعدادها في المساقات المختلفة ـ إن كانت آلية كتابة البحث العلمي غير معروفة بالنسبة لهم، وإن كان الهدف من تدريبهم على كتابتها أيضًا غير واضح عندهم؟
وأخيرًا، ما قيمة تنظيم هذه المسابقات في ظل وجود جهات متخصصة في كتابة الأبحاث نيابة عن الطلبة، ليتحول العلم عندنا إلى تجارة، في زمن تصعد فيه دول وتهبط دول بالعلم وحده وبالقدرة على الإتيان بالجديد على جميع المستويات.
وهو أمر لا يتأتى إلا من خلال البحث والعكوف على الكتب والتنقيب عن المعلومات التي قد تبدو ضئيلة القيمة جدا في عيوننا، ولكنها قد تكون كبيرة القيمة جدا في ميزان البحث العلمي، ويمكنها أن تفتح أبوابا إن لم نجد نحن مفاتيحها فلا بد أن يجدها غيرنا ويسبقنا إليها، لنبقى في الصفوف الخلفية، مع أننا نملك الشباب والمال والإمكانيات التي تؤهلنا لأن نكون في الصفوف الأمامية.
أعتقد أن إقامة مراكز للبحث العلمي أصبحت ضرورة ملحة في المجتمع الإماراتي، الذي يساير عجلة الحضارة والتطور بالسرعة نفسها التي تسير بها، ولكن لا بد له من أن يبدأ في المساهمة في دفعها.
وذلك من خلال إعداد الباحثين القادرين على تحمل مشاق البحث العلمي في جميع الحقول المعرفية، وأرى أن الخطوة الأولى يجب أن تكون عن طريق زرع حب البحث والمعرفة عند النشء، وهو أمر قد يبدو صعبًا في البداية، لكنه ليس مستحيلا في دولة استطاعت أن تحول رمال الصحراء إلى جنان خضراء.
جامعة الإمارات