من بين عشرات المسلسلات التلفزيونية التي بّثت في رمضان الفضيل، اخترت متابعة مسلسل «الملك فاروق»، لرغبة عارمة في نفسي وولعي بتاريخ مصر، وكان فاروق الذي حكمها بين 1936 ـ 1952 قد جمع كل التناقضات، فاختلف الناس في تقييمه.
ومن المهم جدا ان ينجز مسلسل تلفزيوني روائي عن تاريخ الرجل بعد أكثر من خمس وخمسين عاما على خلعه عن عرشه، ولقد أجاد كل من ساهم بتشكيل هذا السيمافور التاريخي الغني جدا تأليفا وتمثيلا وحركة وحوارا وموسيقى تصويرية وإخراجا.
بل وصلت كل من الحبكة التاريخية والإخراج الفني وأداء الممثلين غاية في الروعة وخصوصا دور البطولة الذي جسّده الفنان تّيم حسن فضلا عن روعة أداء بقية الفنانين، وهذا يدل دلالة واضحة على ان أتعابا كبيرة قد بذلت، وأموالا سخية قد صرفت، وصبرا مضاعفا تحّمله الفنان حاتم علي مخرج العمل.
ولقد سررت جدا أن يكون الزميل المؤرخ يونان لبيب رزق هو المستشار العلمي للنص والأداء، وكلنا يعرف دقة هذا المؤرخ وخصب معلوماته وفحص وثائقه عن عهدي فؤاد وفاروق، فضلا عن ان مؤلفة النص السيدة لميس جابر قد صرفت زمنا طويلا وبحثا مضنيا ـ كما سمعت ـ في التعّرف على تاريخ عدد كبير من الشخصيات التي جسدتها في روايتها والتي بدا إخراجها محفوف بالمخاطر لأسباب عدة.
ان مجرد مقارنة فنية بين هذا العمل واعمال فنية اخرى سيكون «الملك فاروق» هو السباق في هذه الحلبة التي يزدحم من حولها الملايين وهم يراقبون مسلسل أحداث تاريخية امتزجت بين الدراما والميلو دراما فضلا عن نهاية تراجيدية محتمة، واسمحوا ان اسجّل بعض ملاحظاتي التاريخية وتصويب بعض ما أراه مهما في هذا المجال.
لقد وجدت فؤاد الأول في المسلسل على غير حقيقته، فالذي اعرفه انه كان شخصية قوية ومتحضرة وبالرغم من أخطائه ضد الدستور وموقفه ضد الأحرار، الا انه كان يهتم بالتعليم والفن والثقافة والعمارة والنظافة، وكان يتكلم العربية بطلاقة، وليس كما ظهر في المسلسل يرطن وهو في قصره، لا يمكننا القول اليوم بالمطلقات، فليس هناك من هو غارق بالدعارة والمجون إزاء من هو ملاك من الملائكة، فالأمور كلها نسبية.
وإذا اعتقد الناس أن فاروقا كان ملكا فاسدا وانه سبب كل البلاء لمصر وانه أضرّ بقضايا الأمة، فان الزمن سيقول كلمته في النهاية عندما ندرك بأن فاروقا قد تلاعبت به سايكلوجية تربيته الخاطئة، وأهواء حاشيته ومشكلات عائلته، ودسائس الساسة القدامى ناهيكم عن حساسيته وعاطفته المفرطة، وبالرغم من كل ما كان عليه من وطنية ومحبة لمصر، فانه كان حرا طليقا ونزقا مع ذاته ليعّبر عن كبت طفولته المسجونة، فلم يقدر الأمور حق قدرها في علاقاته وتصرفاته، فأساء إلى نفسه وعهده برمته، فكان ان دفع ثمنا باهظا اذ انتهى حكم أسرته على يده.
كنت أتمنى ان يظهر لنا المسلسل عهد فاروق خارج سرايا الحكم ورجال الساسة والانجليز، لنرى الناس وهو يقود سيارته بينهم مع تبيان طبيعة الحياة المصرية سواء في صالونات أدبائها ومثقفيها وفنانيها أم في حاراتها القديمة ناهيكم عن معرفة أحوال الفلاحين في الريف ومعاناتهم الصعبة، لقد صرفنا الساعات ونحن كالمحبوسين في سرايا عابدين او قصر القبة من دون ان نتنفس الهواء لا في شوارع القاهرة ولا في أرياف مصر وصعيدها.
وبالرغم من كل الأبهة والفخامة التي صورت تلك السرايا وقاعاتها وغرفها وموجوداتها وتحفها، الا ان الحقيقة اكبر من ذلك بكثير، وخصوصا قاعات الاستقبال والمسرح الداخلي وغرف النوم الخيالية، كنت أتمنى على الفاضلين المؤلفة والمخرج ان يقتضبا قليلا من الجداليات العقيمة والصراعات السياسية لمختلف القوى، والخروج من رتابتها قليلا كي نرى أوضاع المجتمع وإبداعات المثقفين وعظمة الصحفيين والأدباء والفنانين خصوصا عندما نعلم بأن كلا من عهدي فؤاد وفاروق هما قمة مصر ببروز اكبر المبدعين في كل مجالات الفنون والعلوم والآداب والمسرح والصحافة والترجمة والطرب.
فضلا عن دور جامعة فؤاد الأول وما قدمته في الثلاثين سنة الأولى من حياتها، وبدلا من مماحكات الملكة نازلي ومشكلات عشقها وخلافاتها مع ولدها واضطراباتها السايكلوجية التي استمرت معها حتى وفاتها في الولايات المتحدة عام 1978 ودفنت هناك، كان من المهم اختزال المشاهد الدرامية لكي تتعّرف الأجيال على حقيقة عهد فاروق بين إخفاقاته وانجازاته، لقد غرقنا بتفاصيل أخرى مع الانجليز ممثلة بإرادة لامبسون الطاغية.
واذا كان فاروق يكرهه ويمقت الانجليز على عكس ابيه، فإنه راهن على حصان خاسر ممثلا بالألمان ابان الحرب، في حين كان اغلب ساسة مصر القدماء يمالئون الانجليز علنا، وعندما رحل فاروق عن مصر حمل كل الأوزار التاريخية لوحده.
مصطفى نحاس باشا اجيد دوره، ولكن ليس بالسذاجة التي قدّم بها أحيانا، صحيح انه كان يعشق ذاته، ولكنه لم يكن يردد الكلمات أبدا، كما انه لم يكن صاحب فكرة جامعة الدول العربية اذ كانت الفكرة لغيره، وبالرغم من فعاليته في تأسيسها، لكنه ـ كما اعرف ـ لا دور له في الدفاع ضد جمود اتفاقية الدفاع المشترك.
لقد أعطى المسلسل دورا اكبر للنحاس بفذلكاته في حين غض الطرف عن أول مؤتمر عربي لستة من ملوك ورؤساء الدول العربية المؤسسة، كنت أتمنى أراهم جالسين رفقة وفودهم في القاعة يستمعون إلى خطاب فاروق الأول.
وأخيرا، فان بعض الأدوار لا تتلاءم مع شخصياتها الحقيقية، أمثال: الملكة فريدة وكريم ثابت وغيرهما. ان هذه «الملاحظات» لا تقلل أبدا من المسلسل، فهو علامة بارزة في الإبداع الروائي التاريخي وفخرا للسيمافور المرئي العربي.