ينبغي على النواب اللبنانيين ان يختاروا من الآن وحتى 24 نوفمبر القادم رئيسا جديدا للدولة. الجميع يتفقون على ان هذا الموعد حاسم للبلاد التي تعيش منذ حوالي سنة أزمة سياسية ودستورية تكبح آلية عمل الدولة منذ استقالة نواب المعارضة في شهر نوفمبر 2006. وذلك في سياق الآثار التي تركتها حرب ال33 يوما التي شنّتها إسرائيل على لبنان خلال صيف 2006.
من المعروف انه كان قد تمّ التمديد للرئيس اميل لحود في شهر سبتمبر من عام 2004 بدعم من سورية. هذا التمديد أثار احتجاجات ضد دمشق مما كان يتماشى مع الأجواء التي خلقها صدور القرار رقم 1559 وتفاقم أكثر بعد اغتيال رفيق الحريري.
لقد خرجت القوات السورية من لبنان ولكن نفوذ دمشق لم يغب تماما منه. ثم انه من الاختزال تقديم الوضع السياسي اللبناني على أساس التعارض فقط بين المعادين لسورية والمؤيدين لها.
ان هذا التصنيف الذي لا يزال يستخدمه قسم كبير من وسائل الإعلام والمسؤولين الغربيين لا يأخذ باعتباره الواقع اللبناني المعقّد والمتحرّك، فمثل هذا التحليل لا يفسّر الأسباب التي جعلت العماد ميشيل عون، زعيم التيار الوطني الحر الذي لم يكن صديقا لدمشق، يتحالف مع حزب الله الذي له صلات حقيقية مع سورية. ولا يسمح أيضا بفهم سبب الانقسام العميق داخل المعسكر الماروني كما ان السنّة ليسوا أكثر انسجاما على الصعيد السياسي.
السؤال الكبير الذي ينبغي طرحه في منظور وضع أسس لبنان جديد يتعلق بمعرفة إذا كان القادة الرئيسيون للبلاد سيتوصلون أخيرا إلى تجاوز خلافاتهم ويؤكدون على ما يوحّد بينهم وليس على ما يفرّق بينهم. ولا شك ان فشل الانتخابات الرئاسية سوف يدفع لبنان نحو طريق خطير ؛ فبما ان الدستور ينص في هذه الحالة على تحويل السلطة الرئاسية آليا إلى الحكومة التي يترأسها فؤاد السنيورة فهذا يعني عدم الاعتراف بها من قبل المعارضة الحالية. لهذا السبب تتضمن الاستحقاقات الرئاسية تحديات حقيقية كبيرة.
أولا هناك تحدي البنية السياسية. ذلك ان اقتسام المناصب الرئيسية في الدولة تبعا للانتماء الطائفي سمح للبنان ان يصبح دولة حديثة لمدة طويلة، لكنه ساهم أيضا في بلورة التعارضات بين الطوائف الدينية والتي بلغت ذروتها اثناء الحرب الأهلية الرهيبة 1975ـ 1989. ألا ينبغي إذن القول بضرورة تجاوز هذا النموذج «الموديل» مع التأكيد على فترات انتقالية تسمح للبنان إعادة بناء نفسه كدولة موحّدة يكون توزيع المسؤوليات السياسية فيها أكثر مرونة؟
ان اتساع وصعوبة تحقيق مثل هذا المشروع ينبغي وضعهما بالعلاقة مع الأخطار التي تحيق بالشرق الأوسط بسبب مرامي بعض المحافظين الأميركيين الجدد الذين يريدون إعادة صياغة المنطقة على أسس اتنية وطائفية. وهذا يمثل، كما أرى، خطرا اضافيا ينبغي رفضه لما يتضمّنه من مزالق نحو الفوضى والخطيرة جدا بالنسبة للمنطقة.
التحدي الثاني يخص المؤسسة العسكرية. الجميع يتفقون في لبنان ، خاصة بعد نهاية معركة نهر البارد، على تكريم الجيش اللبناني الذي برهن على بسالته رغم صعوبة المواجهات مع فتح الإسلام. وإنه من الصحيح القول في سياق الانقسام السائد في البلاد يمثل الجيش المؤسسة الوحيدة التي ترمز الى الوحدة في ظل احترام التنوّع.
ولقد أبدى قائد الجيش اللبناني ،ميشيل سليمان، حتى الآن حيادا سياسيا حقيقيا، لكن جرى تداول اسمه خلال الأسابيع الأخيرة كمخرج ممكن من حالة الانسدادات السياسية والطائفية، ودون ان يبدي من جهته علنا اهتمامه بالمنصب الرئاسي. بكل الحالات يبقى من المرجو ان يستمر الجيش في وضع نفسه فوق التناقضات الطائفية وساهم بالتالي في المحافظة على الوحدة الوطنية.
التحدي الثالث يكمن في الوضع الإقليمي والدولي. ذلك ان الجميع يعرفون ان اشكال النفوذ الخارجية لها دورها المؤثر على التطورات الداخلية في لبنان. فمن جهة تميل التشكيلات السياسية اللبنانية إلى طلب العون والمساعدة غالبا من قوى خارجية ذات مصالح متناقضة مما ينعكس باستمرار تقريبا ضد اللبنانيين أنفسهم كما أظهرت الأحداث المأساوية لنهر البارد، بالمقابل هناك قوى إقليمية ودولية لها مصالح ما في دعم هذا المعسكر أو ذاك وتهتم بالتالي بنتيجة الحملة الانتخابية.
وتدعم بهذا القدر أو ذاك من السرّية هذه المجموعة أو تلك. هكذا نجد ان الحكومة الفرنسية، وحتى لو انّها محايدة رسميا، هي بالأحرى داعمة للمواقف التي تدافع عنها الأغلبية السياسية الحالية. مع ذلك قد ينبغي على فرنسا، ذات الخبرة الطويلة في لبنان، الذهاب أبعد في المبادرة التي قامت بها خلال شهر يوليو الماضي عندما جمعت تحت رعاية وزارة الخارجية الفرنسية جميع القوى المتنافسة على المسرح السياسي اللبناني دون استثناء من اجل تشجيع حوار مطلوب أكثر من أي يوم مضى.
بقيت معرفة ما إذا كان المسؤولون اللبنانيون سيرتقون إلى مستوى مسؤولياتهم ويبرهنون على امتلاك الشجاعة الضرورية من اجل إنقاذ الوحدة الوطنية.
كاتب ومحلل سياسي فرنسي
