الذين يتصدون لنقد كل الأعمال الدرامية من المحيط إلى الخليج متعمقين في كواليس العمل، وفي منظومة فريق الإنتاج وأدواته وعقباته وتفاصيل نجاحه، حيث ينجح البعض منهم في اجتياز هذه الكواليس إلى الأبعاد الفكرية والإسقاطات التاريخية أو الواقعية منها للعمل.

والتحقيق بعمق أكبر في البناء التصاعدي للحبكة الدرامية حتى نهاياتها، والتوقف عند التفوق في أداء شخصيات العمل ومدى استحواذ الممثل وتقمصه للشخصية التي يقوم بتقديمها، ومن ثم التوقف عند الصياغة العامة للرؤية الإخراجية التي تظلل العمل وتنحت ملامحه وتقدمه على طبق من ذهب كي يستمتع الجمهور بمفهوم الحرفية والإتقان الفني والحس الإبداعي بعيدا عن النمطية أو الحشو أو الفنتازيا.

ولعل العمل الدرامي العربي «باب الحارة» الذي عرض في شهر رمضان الكريم، والذي استطاع أن يحقق نسبة عالية من المتابعة والمشاهدة بناء على استفتاءات الصحف والمواقع الالكترونية، ومثّل تحدياً كبيراً في إمكانية النجاح للعام الثاني على التوالي وفي جزئه الثاني تحديدا بنخبة من الفنانين وبكادر أيضاً منتخب بالنسبة للجانب الفني والإخراجي، استطاع أن يحرج كثيرا من الأعمال الفنية التي عرضت على خارطة الفضائيات العربية.

وقدم دروسا في كيفية التعرض للحقب التاريخية دون السقوط في فخ الأيديولوجيات المعلبة أو مقلب الفوقية في لغة الحوار التي تنفر المشاهد العادي من الارتحال مع روح العمل، بل تغلّب «باب الحارة»على نفسه حين استطاع أن يبني صلة بين شخصيات العمل وبين الجمهور مرتكزا على مفردة البساطة أولا وأخيرا.

واخترق يوميات المشاهد البسيط وقدم صوراً حقيقية لدقائق حياته في البيت وفي الحارة وان اختلفت التسميات، إلا أن العمل ابرز علاقة الإنسان العربي البسيط بكيانه الأكبر وهو البلد، وخلق روابط نفسية وثيقة غير منفصلة بين الإنسان وبين منظومة أخلاقية تدور في فلك مرتبط ومعقد بحيث لا يستطيع التفلت منها أو الانفلات.

وان كان هذا العمل قد وظف عامل البعد السياسي التاريخي خلال حقبة الاستعمار الفرنسي من خلال الإشارة تحديدا إلى «ثوار الغوطة» الذين استطاعوا أن يحفروا أسماءهم في ذاكرة الوطن ولعبوا دورا تاريخيا في الثورة ضد الفرنسيين، إلا انه لم يسيّس العمل في مجمله رغم إبقائه على حق المشاهد في الإحساس بالوطنية والعروبية والامتزاج بهذا الإحساس الذي غمر كل من تابع العمل في مشاعر فياضة شحذت بقايا من حنين لزمن قد لا يستعاد.

مثّل «باب الحارة» ثورة ضد كثير من السقطات الأخلاقية في زماننا المعاصر، فالمتتبع ليوميات الحارة سيتعرف على عدة أنماط من الشخصيات التي تمثل في النهاية المجتمع المصغر بكافة شرائحه من غني وفقير، إضافة إلى انه عبر عن التركيب الأبوي للمجتمع العربي ودوره في هذه الحقبة التاريخية بالتحديد من خلال سيطرة ذكورية شبة تامة، إلا انه انتفض لكثير من المبادئ الأخلاقية التي كادت تندثر.

ولعبت شخصية «أبو عصام» دور الإنسان شبه المثالي الذي يحاول أن يبني المدينة أو الحارة «الفاضلة» وتولّع المشاهد العربي في أبعاد هذه الشخصية العربية التي تحاول أن تبث في قلوب أبناء الحارة رحمة التواصل رغم مجريات الأحداث التي تهدد دائما بالقطيعة، وتحاول أن تثبت في كل تفاصيلها اليومية قدرتها على التعامل بمستوى رفيع من الأخلاق والمبادئ قل ما نراه اليوم أو نسمع عنه.

ولعل الأجمل في شخصية «أبو عصام» هو جانب الأب الذي يحرص على تربية أبنائه كي يكونوا رجالا صالحين ووطنيين، رغم التجارب المريرة التي أحاطت بهم إلا أن تفوق النفس البشرية الايجابية بكل ما تحمله من أخلاقيات ومثل كانت النموذج الذي يطمح كل مربٍّ أن يحققه في أبنائه، ومع عنفوان الأداء المميز للفنان «عباس النوري» انعكس لدى المشاهد العربي شعور الافتقاد لمثل هذه الشخصية بكل أبعادها الرجولية وما تمثله من توازن في مجتمع تهدده التناقضات والمتغيرات.

كونها اللبنة الحقيقية في بناء مجتمع عربي فاضل طالما حلم به المواطن العربي أينما كان، بعيدا عن التعصب والتشنج والازدراء، ولعل هذه الشخصية استطاعت أن تلهم مشاعر الجمهور وتوحده تجاه مسألة حب البيت والحارة والوطن، والاهم تفعيلها لمفردة الأخلاق الرجولية التي باتت فعلاً ماضياً مع ما نراه من ميوعة وتخلّي بعض الشباب عن مسؤولياتهم وكأنها ذكريات من الزمن الجميل.

لملم العمل الفني طاقات كثير من الفنانين الشباب إلى جانب أسماء كبيرة لعبت دورا في إنجاح الدراما السورية تحديدا والى جانب جمالية وروعة القصة والسيناريو يتألق المخرج «بسام الملا» في تسخير جو الحارة الدمشقية المميز وتوظيفها لخدمة حكاية أبناء الحارة.

ومثّل الباب حكاية في حد ذاته فهو لا يحمل تفاصيل المكان فقط بل يتعداه إلى تفاصيل الإنسان الذي يدافع عن باب حارته ويسهر على حراسته، وساهم هذا الباب في إعطاء صورة رمزية عن حراس بوابة الوطن الكبير الذي تمتد في أعماق الإنسان العربي متجاوزا معها الحدود السياسية ومتواصلا رغم جروح النكبات والهزائم والغدر.

وكانت إطلالة فلسطين وثوارها في العمل والتي جاءت على لسان «العقيد» مرارا وتكرارا كالضرب على الجرح، فلا يزال «تاريخ فلسطين» يشعرك حتى هذه المرحلة الزمنية بالغصة والحسرة وتظل مأسورا بالثوار الذين هبّوا كالعاصفة وذهبوا كالريح وتركوا أطلالهم في القلوب.

أما المؤثرات الموسيقية في باب الحارة فقد كانت بمثابة الأنفاس التي تشعل حريق الحزن ونشوة الفرح، وتستنهض الهمم وتزهر صباحات الحياة وتلون مساءاته، فجزء من نجاح العمل يعود إلى روعة توظيف هذه المؤثرات في تفاصيل الحوار والدقة في التصاعد حتى مع طرفة عين الممثل وأدائه الصامت.

باب الحارة انتصر لشهر رمضان الكريم لأنه لم يأت ليخدش حياء الصائم بل أكد على روحانية الشهر الفضيل وساهم في الارتقاء بالأخلاق وألهم الكثير للعودة للأصالة والفخر بتاريخ الوطن وصموده، فشكرا لباب الحارة الذي وحّد قلوب الجمهور العربي على قلب رجل واحد، وربما ما أفسده الدهر استطاع أن يصلحه العطار والحكيم «أبو عصام».

كاتبة إماراتية