كان محمد بن المنكدر أحد الثقاة في رواية الحديث يقول :«؟إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف؟ ؟يدخل بينهم؟» وعلى دربه سار العز بن عبدالسلام بعد خمسة قرون، فحين جاءه الغرز خليل رسول الملك الأشرف يخبره بعزله عن الإفتاء، قال له: «هذه هدية من الله تعالى إليّ، أجراها على يد السلطان وهو غضبان، وأنا بها فرحان، والله يا غرز لو كانت عندي خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعت عليك..

خذ هذه السجادة صل عليها، فودعه الغرز وانصرف إلى السلطان، وذكر له ما جرى مع العز بن عبدالسلام. فقال لمن حضره: قولوا لي ما أفعل به، هذا رجل يرى العقوبة نعمة... اتركوه.. بيننا وبينه الله».

هكذا كان جيل العلماء الحقيقيين يهابون الفتوى، أما علماء اليوم فإنهم ينظرون في عين الحاكم ليروا ما يروق له، وبه يفتون تجرؤا على الله وحطا من كرامة أنفسهم وكرامة العلم الذي يحملون، أو يلبسون الأيديولوجيا والرأي السياسي والطائفي بالشرع.

هناك فوضى غير خفية على المتابع في ساحة الفتوى على امتداد العالم العربي ليست وليدة اليوم، لكنها ابنة الانحطاط والتردي الذي يغشى أمتنا منذ قرون، فالدين بعد أن كان سيداً يستخدم السياسة أداة بين أدوات، أصبح مطية يستخدمها السياسيون، وساعدهم على ذلك رجال دين فضلوا التجارة مع الحاكم على التجارة مع الله.

في نهاية السبعينات كنت أعجب من علماء الدين الذين حاولوا تبييض سياسات الرئيس السادات وصلحه المنفرد مع إسرائيل مستندين إلى آية كريمة «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها» بعد أن كانوا هم أنفسهم دعاة حرب ضد إسرائيل وثأر منها مستندين إلى آية كريمة أخرى «واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم» و «لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا» وهكذا أنزلوا الدين من عليائه وحولوه إلى مجرد حصان يمتطيه السياسيون ويتجهون به أينما شاؤوا.

على امتداد الشهور الماضية شهدنا سيلاً من الفتاوى غير الحصيفة، ففي حرب صيف عام 2006 تجرأ أحد الدعاة وأفتى «بأن نصرة حزب الله في حربه ضد إسرائيل حرام»، ليس هذا فقط بل زاد «انه لا يجوز الدعاء للمقاومين اللبنانيين بالنصر، لأن حزب الله خارج عن ملة الإسلام».

وفي الانتخابات العراقية التي أفرزت الحكومة الحالية وجدنا سيلاً من الفتاوى.. شيعية تدعو إلى التصويت في الانتخابات وتعتبرها فرضاً، وسنية تدعو إلى المقاطعة وتعتبرها واجباً. نفس الأمر تكرر في الجدل الذي دار حول ربيع الثقافة في البحرين، وحول دعوة منظمة التحرير الفلسطينية سكان غزة إلى صلاة الجمعة في العراء هجراً للمساجد التي يؤم الصلاة فيها خطباء أغلبهم من حماس.

واحتجاجاً على ما تفعله الحركة من ممارسات في القطاع. فرابطة علماء فلسطين أفتت بعدم جواز صلاة العراء واعتبرتها مخالفة لأحكام الدين وسمتها صلاة المناكفة أو الضرار، فيما أيدها مفتي فلسطين ولم يجد مانعاً من إقامتها.

وحينما نشرت صحيفة إيرانية مقالاً يدعي أن البحرين جزء من إيران وأن على شعبها أن يخرج مؤيداً لهذه الفكرة السقيمة نشرت إحدى الصحف فتوى تقول إن من يؤمن بما جاء في المقال من الخوارج، يجب أن يستمهل ثلاثة أيام للتوبة، وبعدها يعرض على السيف.

هذا النوع البائس من الفتيا والمفتين يهدد بإحداث انقسام مذهبي، وتناحر لا أول له ولا آخر في العالم العربي بأكمله، وإدخال المنطقة في دوامة من الدماء كتلك التي حدثت خلال موجات التكفير التي اجتاحت مصر والجزائر إن لم تكن أشد لأن البلدين لم تكن بهما انقسامات مذهبية.

وإنما هي لعنة جعل الدين مطية لأغراض سياسية. وهذه الفتاوى رغم ما قد يتوافر في بعض مطلقيها من نية حسنة وعدم إحاطة بجوهر الدين والواقع المعاش، إلا أنها تتماهى مع مخططات خارجية تود لو أنها استطاعت إعادة هندسة المنطقة على أسس طائفية ومذهبية سعياً إلى تمزيق الممزق وتفتيت المفتت كما يقول أحد الكتاب.

وفي سياق إرضاء الحاكم استغل شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي احتفال مصر بليلة القدر الذي تعود الرئيس مبارك حضوره، وأفتى بجواز جلد مروجي الشائعات 80 جلدة وعدم قبول شهادتهم.

فيما كانت البلاد تغلي بسبب أحكام حبس صحافيين ومحاكمة آخرين بتهمة ترويج شائعات عن صحة الرئيس وبث بيانات كاذبة، وفهم حينها أن طنطاوي يقصد إثبات الولاء للرئيس ويطالب بجلد من ينتقدونه من الصحافيين، ورغم أنه أكد بعد ذلك أنه أصدر حكماً عاماً يخص كل مروجي الشائعات من صحافيين وغيرهم، إلا أن دوامة الجدل لم تهدأ حتى اليوم، وذلك لما عرف عن الرجل من لي الأحكام الدينية لتتسق مع هوى الدولة.

نحن في أزمة حقيقية وعلماؤنا يحتاجون إلى مجاهدة أنفسهم مثلما فعل محمد بن المنكدر الذي كان يقول: «كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت» فهلا كابد المفتون أنفسهم أربعين يوماً؟!

magdishendi@hotmail.com